-->

الحماية الجنائية للمنافسة الحرة في العلاقات الاقتصادية على ضوء القانون 104.12

عبد الهادي زريوح

خريج  ماستر النظام الجمركي

مقدمة :

 تنبني التجارة في الوقت الحاضر على مبدأ حرية التجارة الذي يساعد في تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي،غير أن ظروف التي يعرفها العالم ومن بينه المغرب من خلال جائحة كورونا[كوفيد19] التي أدت إلى تراجع النمو الاقتصادي على الصعيد الوطني و الدولي عن طريق ،فرض الحجر الصحي المنزلي و فرض  حالات الطوارئ الصحية.

             بالنسبة للمغرب فرض  حالات الطوارئ الصحية ، بموجب مرسوم قانون رقم 2.20.292 صادر في 28 من رجب 1441 الموافق ل 23 مارس 2020 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية و إجراءات الإعلان عنها  .

وكذلك مرسوم قانون رقم 2.20.293 صادر في 29 من رجب 1441 الموافق ل 24 مارس 2020 بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا-كوفيد19 . 

 ذلك أن المنافسة الحرة تدفع التجار إلى تطوير وتحسين منتجاتهم وعرضها بالثمن المناسب دون استغلال أزمة الوطنية لتحقيق الربح، ومن ثم تسمح بقيام قانون العرض والطلب الذي بدوره يخلق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك مما يؤدي إلى تقدم وازدهار الاقتصاد.

          غير أن إقرار حرية المنافسة بدون ضوابط من شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية خصوصا في الظرفية الراهنة التي تعرفها البلاد، بحيث أن بعض الممارسة قد أبانت أنه في كثير من الأحيان يتم اللجوء إلى أساليب وممارسات غير مشروعة من التجار، باحتكار السلع و حظر رفع الأسعار و عرقلة السير العادي للأسواق ومنع من السوق، بهدف تقييد المنافسة أو عرقلتها ضربا بعرض الحائط المصلحة العامة ومصلحة المستهلكين.لهذا عملت الوزارة الوصية على قطاع الاستهلاك وطمأنت المستهلك أنها توفر جميع المنتوجات والسلع التي يحتاجها المواطنين طيلة فترة الحجر الصحي،كما أنها أحدثت  خط الهاتفي رقمه في متناول جميع أفراد المجتمع 5757 لتبلغ عن أي احتكار أو زيادة في الأثمان.

 لذا كان من الضروري تدخل المشرع المغربي لتنظيم المنافسة وضبط آلياتها بناءا على مقاربة قانونية تعترف بحرية المنافسة لكن وفق ضوابط وقواعد، هذه القواعد هي التي تؤلف ما يعرف بالقانون الجنائي والتأديبي للمنافسة، والذي لم يجعل له المشرع المغربي مدونة مستقلة تسمى هكذا، ولكن يستقى أساسا من نصوص قانون حرية الأسعار والمنافسة رقم 06.99.

      ويتميز القانون الجنائي للمنافسة باعتباره يدخل ضمن القانون الجنائي الاقتصادي، أن الحرية فيه ترمي إلى حماية الاقتصاد وليس المال ـ وإن كان لها انعكاسات مالية ـ وهذا بخلاف الجريمة المالية التي ترمي إلى حماية مالية الضحية أو موارده المالية (جريمة إساءة استعمال أموال الشركة)، ولذلك فإننا يمكن القول بأن الجريمة الاقتصادية هي التي تنال بالاعتداء أو تهدد بالخطر مجموع البنيات الخاصة بإنتاج وتداول وتوزيع واستهلاك الثروات في بلد معين.

    وإذا بحثنا في جرائم المنافسة، فإننا نجد أن المشرع عمل على حظر ومنع بعض الممارسات التي تعتبر مخلة بالمنافسة ومنافية لها في حد ذاتها، كما حظر أخرى لا لكونها مخلة بالعملية التنافسية لكن لكونها توجهها وكجهة تؤثر عليها إذا ما توافرت فيها شروط أو جاءت مخالفة لقواعد ممارستها.

 إلا أن الإشكال الذي يطرح بصدد دراسة هدا الموضوع. يتجلى بالأساس في الهدف أو الغاية من إنشاء هدا القانون , جاء نتيجة قناعة المشرع المغربي في ضرورة حماية مصلحة معينة، خاصة إذا علمنا أن هدا القانون تتداخل فيه مجموعة من العلاقات التي تجمع بالأساس المستهلك بالتجار ، وعلاقة هدا الأخير فيما بينهم ، ام إن هده المصلحة تتجاوز دالك إلى حماية العلاقات الاقتصادية ؟.

المبحث الأول :  الممارسات المخلة بالمنافسة

بالرجوع إلى مختلف قوانين والمنافسة نجدها تجرم الممارسات المخلة بالمنافسة،بسبب آثارها السلبية والتي تتجلي خاصة في عرقلة سير قانون العرض و الطلب وتوقيف دوره في تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ،ومن بينها نجد الممارسات المنافية لقواعد المنافسة (المطلب الأول) والممارسات الموجهة للمنافسة (المطلب الثاني).

المطلب الأول : الممارسات المنافية لقواعد المنافسة .

تتعامل التشريعات مع التحالفات المخلة بالمنافسة باعتبارها تصرفا اقتصاديا ينافي قواعد المنافسة بغض النظر عن الاسم والشكل القانوني الذي يمكن أن تتخذه ،لذلك لم تعطي غالبية التشريعات تعريفا للممارسات المنافية لقواعد المنافسة ،وبالتالي تم حصرها على الشكل الأتي ،الاتفاقيات المنافية لقواعد المنافسة (الفقرة الأولى) ثم الاستغلال التعسفي للمنافسة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الاتفاقيات المنافية لقواعد المنافسة.

تنص المادة 6 من قانون 104.12 :على الأعمال المدبرة أو الاتفاقيات أو الاتفاقات والتي يكون الغرض منها عرقلة سير المنافسة في سوق ما  ،ولا سيما عندما تهدف إلى :

_ الحد من دخول السوق أو الممارسات الحرة للمنافسة من لدن منشآت آخري.

_عرقلة تكوين الأسعار عن طريق الآليات الحرة للسوق بافتعال ارتفاعها أو انخفاضها.

_حصر أو مراقبة الإنتاج أو المنافذ أو الاستثمارات أو التقدم التقني.

_ تقسيم الأسواق أو مصادر التموين أو الصفقات العمومية.

الإشكال الذي يثار هنا في حالة وجود اتفاق بين مقاولات تنتمي لنفس المجموعة كما هو الحال بالنسبة لعلاقة المقاولة الأم بالمقاولات التابعة لها.في هذه الحالة لا تطبق عليها أحكام المادة 6 إذا كانت هناك علاقة تبعية قوية بين المقاولات ،أما إذا كانت هذه العلاقة ضعيفة فإن الأمر يتطلب تطبيق أحكام المادة 6 من .ق.ح.أ.م.

يمكن القول بأن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة يشترط فيه أمرين وجود تعاون بين المقاولات ووجود استقلال بين المقاولات المتحالفة.

إن المشرع المغربي لم يحدد أشكال التحالفات المنافية للمنافسة،لكن الفقه ارتئ تقسيمها إلى نوعين اتفاقات عمودية واتفاقات أفقية.

1_ الاتفاقات العمودية :

تعرف هذه الاتفاقات،بالاتفاقات التي تجمع بين مشروعين أو أكثر في العملية الاقتصادية .كالاتفاقات التي تتم بين منتج لإحدى السلع من جهة وموزع السلعة التي ينتجها من جهة

ثانية، أو بين منتج السلعة وعدة موزعين أو بين عدة منتجين من جهة ومجموعة موزعين من جهة ثانية.

ويكون الاتفاق بين الشخصين وأي من مورديه أو عملائه من شأنه الحد من المنافسة بناء على الفحص الذي يجريه الجهاز لكل حالة على حدة، وذلك من خلال العوامل التالية:

 _ تأثير الاتفاق أو التعاقد على حرية المنافسة في السوق .

_ وجود فوائد تعود على المستهلك من الاتفاق أو التعاقد.

_ اعتبارات المحافظة على وجود المنتج أو سمعته،ومقتضيات الأمن و السلامة،وذلك كله على النحو الذي لا يضر المنافسة.

_ مدى توافق شروط الإتفاق مع الأعراف التجارية المستقرة في النشاط محل الفحص .

2 _ الاتفاقات الأفقية :

 تتم هذه الاتفاقات أو التعاقدات بين الأشخاص المتنافسة في السوق المعنية ،ويقصد بالأشخاص المتنافسة الأشخاص الذين بمقدورهم ممارسة النشاط في السوق المعنية في الحال أو المستقبل .

تتم هذه الاتفاقات بين مشروعين أو عدة مشروعات تكون جميعها على قدم المساواة أو على المستوي نفسه في العملية الاقتصادية .

من بين العوامل التي تساهم في نجاح هذه الاتفاقات تماثل وتشابه المنتجات محل التقييد، وتقارب في تكلفة بين الأطراف،كما أن أطراف الاتفاق يستحوذون على كامل الحصص السوقية وذلك حتى يسهل تقسيم الحصص بينهم .

الفقرة الثانية : جريمة الاستغلال التعسفي

جرم المشرع المغربي الممارسات التعسفية المخلة بالمنافسة من حلال المادة 7 من ق.ح.أ.م :يحظر قيام منشأة أو مجموعة منشآت بالاستغلال التعسفي :

_ الوضع المهيمن في السوق الداخلية أو جزء مهم من هذه السوق .

_ لحالة تبعية اقتصادية يوجد فيها زبون أو ممون وليس لديه محل مواز وذلك عندما يكون الغرض منه أو يمكن أن تترتب عليه عرقلة المنافسة أو الحد منها أو تحريف سيرها.

يمكن أن يتجلي التعسف بوجه خاص في رفض البيع أو في بيوع مقيدة أو في شروط بيع تمييزية وكذا في قطع علاقات تجارية ثابتة لمجرد أن الشريك يرفض الخضوع لشروط تجارية غير مبررة.

ومن صور الاستغلال التعسفي في العلاقة الاقتصادية،إما أن تكون مطلقة فتتعلق بالوضع المهيمن في السوق وإما نسبية فتتعلق بحالة التبعية الاقتصادية  .

أ _ الوضع المهيمن في السوق الداخلية أو جزء مهم من هذه السوق:

المقصود بالاستغلال التعسفي لوضع مهيمن أنه استغلال موقع قوة اقتصادية داخل قطاع أو سوق معين،والعمل على منافسة فعلية،من أجل تحديد الأسعار أو التحكم في الإنتاج أو التوزيع .

أن التواجد في وضع مهيمن لا يكفي لقيام جريمة الاستغلال التعسفي،بل لابد من توفر علاقة سببية بين الوضع المهيمن والاستغلال التعسفي، لذلك يجب إثبات هذا التعسف وما يترتب عليه من آثار ضارة.

ولا يمكن أن يكون الاحتكار محظور إلا إذا كان ناجما عن الأسباب التالية :

-حصول التاجر على حصة سوقية تفوق منافسيه بواسطة مهارته التجارية الفائقة.

-حصول التاجر على مركز احتكاري بفعل منافسة الشريفة.

الآثار السلبية لإساءة استغلال المركز الاحتكاري أو الوضع المهيمن لا تمتد فقط المقاولات التجارية بل يمتد إلى المستهلكين.وللإشارة فإن الاستغلال التعسفي لوضع مهيمن يكون في الغالب من طرف شركة أو عدة شركات  .

ب _حالة تبعية اقتصادية يوجد فيها زبون أو ممون وليس لديه محل مواز:

في هذه الحالة تكون منشأة أو مجموعة منشآت في موقع قوة يسمح لها بفرض شروط التعاقد على الآخر من منطلق افتقاد هذا الآخر لحل مواز .

لقد وضع الفقه الفرنسي للتبعية الاقتصادية نماذج أساسية :

 -التبعية بسبب الملائمة :تختص بمنتوجات تحمل علامة مميزة  أكسبتها شهرة يستحيل مع الصورة التي أعطتها إياها هذه العلامة استبدالها بغيرها من السلع،وهذا ما يؤدي إلى حالة التبعية التي يوجد فيها التاجر الموزع لهذه السلع .

 -التبعية بسبب قلة المنتجات:تنتج هذه التبعية في حالة وجود أزمة إنتاج أو توريد المواد الأولية،فالمقاولة لا تعد عضوا في المجموعة المحتكرة لهذه المواد تعتبر تابعة اقتصاديا في المجموعات مع ما يترتب على ذلك من إكراهات تطال المقاولات التابعة .

أما المظاهر التي تفيد وجود حالة التبعية الاقتصادية قد استنبطها مجلس المنافسة الفرنسي ومحكمة الاستئناف بباريس وهي:

_شهر العلامة التجارية للمقاولة المهنية.

_غياب منتوجات بديلة من الناحية التقنية .

_خطر زعزعة المقاولة التي توجد في حالة تبعية.

 _مقارنة حصة الممون في السوق وأهمية رقم المعاملات المحققة من قبل الموزع بفعل المنتوجات المعنية.

         لقد تطرق المشرع المغربي لمظاهر الاستغلال التعسفي من المادة 7 من ق.ح.أ.م في الفقرة الأخيرة  :يمكن أن يتجلي التعسف بوجه خاص في رفض البيع أوفي بيوع مقيدة أو في شروط بيع تمييزية وكذا في قطع علاقات تجارية ثابتة لمجرد أن الشريك يرفض الخضوع لشروط تجارية غير مبرة و يمكن أن يتجلي كذلك فيما يفرض بصفة مباشرة أو غير مباشرة من حد أدني لسعر إعادة بيع منتوج أو سلعة أو لسعر تقديم خدمة أو لهامش تجاري.

المطلب الثاني : الممارسات الموجهة للمنافسة .

لم يكتف المشرع المغربي في ق.ح.أ.م على حظر الممارسات التي تشكل أعمال منافية للمنافسة في حد ذاتها، بل عمل على تجسيد تدخل الدولة في مراقبة بعض الممارسات التي قد تؤدي إلى عرقلة المنافسة أو المساس بها، وتهم بالأساس تنظيم ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي (الفقرة الأولى)، وضبط الممارسات المقيدة لقواعد المنافسة (الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى : عمليات التركيز الاقتصادي

يعتبر اللجوء إلى التكتلات بين المقاولات في إطار ما يعرف بعمليات التركيز الاقتصادي عنصرا أساسيا في تحريك الاقتصاد الوطني وتمكينه من مواجهة المنافسة الأجنبية، غير أنه وحفاظا على شرعية المنافسة الداخلية تبقى مسألة فرض مراقبة على عمليات التركيز الاقتصادي أمرا لازما ، خلال جائحة كورونا(كوفيد19) لمعاقبة كل من سولت له نفسه القيام بعمليات مخالفة لعمليات لتركيز الاقتصادي المنصوص عليه في المادة 11من ق.ح.أ.م  .

لكن القول بهذه المراقبة لابد من تحقق عملية تركيز اقتصادي كما حددتها المادة 11 من ق.ح.أ.م ولابد من توفر شروط حددتها المادة12 من نفس القانون .

فالرجوع إلى المادة 11 ق.ح.أ.م. نجد أن عملية تركيز اقتصادي تتحقق بوجود عقد بين مقاولتين أو أكثر، وبالتالي فإننا نستبعد التركيز الناتج عن النمو الداخلي للمقاولات، وكذلك أن يقضي هذا العقد بتحويل الملكية أو الانتفاع فيما يتعلق بمجموع أو بعض ممتلكات منشأة وحقوقها والتزاماتها، أو أن يمكن ـ هذا العقد ـ المنشأة أو مجموع المنشآت ـ المعنية بالتركيز طبعا ـ من ممارسة نفوذ حاسم على بقية المنشآت وقد استعمل المشرع هذه العبارة ممارسة نفوذ حاسم لتوضح قوة العلاقات التي يجب أن تربط هذه المقاولات حتى يمكن الحديث عن عمليات تركيز، ويستعمل كذلك كمعيار للتمييز بين الاتفاقات والتركيز

أما عن شروط تطبيق المراقبة عن هذه العمليات التي يمكن أن تخل بالمنافسة، فقد اشترطت المادة 12 من ق.ح.أ.م أن يكون قد ترتب عنها خلق تكتل اقتصادي يتجاوز نصيبه 40% من البيوع أو الشراءات أو المعاملات الأخرى في سوق وطنية للسلع أو المنتجات أو الخدمات من نفس النوع أو القابلة للاستبدال أو في جزء مهم من السوق المذكورة .

إذن فالمشرع المغربي لم يحظر عمليات التركيز الاقتصادي لذاتها بل يشجع المقاولات على التكتل من أجل مواجهة تحديات المنافسة الدولية، لكن ذلك يضر ويمس بالمنافسة في بعض الأحيان بخلق أوضاع مهيمنة.

الفقرة الثانية : الممارسات المقيدة لقواعد المنافسة .

هي ممارسات فردية لا تؤدي إلى إلغاء المنافسة على غرار ما يترتب عن الممارسات الجماعية ، وهي تدخل في تنظيم العلاقات الفردية التي تهم المهنيين فيما بينهم من جهة والمستهلك من جهة ثانية، وذلك في سياق تكريس مبادئ الشفافية والمساواة في الحياة الاقتصادية.

وأهم هذه الممارسات المقيدة للمنافسة ما يلي :

أولا: الإعلان أو الإشهار الكاذب

فالمشرع يلقي على عاتق المهنيين إزاء المستهلكين في مجال الإعلام  التزاميين، والإعلام بالثمن والإعلام بالشروط الخاصة بالبيع أو لإنجاز الخدمة .

ويلاحظ تجريم المشرع الإعلان الكاذب في ظهير 5 أكتوبر 1984 المتعلق بزجر الغش ف البضائع ـ في الفصل 10  منه ـ وذلك متى اشتمل على ادعاء أو بيان أو عرض كاذب من شأنه أن يوقع في الغلط، فالمشرع يعاقب على مجرد الكذب ولو لم يؤثر رضا المستهلك.

 

 

ثانيا: الممارسات التمييزية 

تهم أساسا المنتجين والبائعين ومقدمي الخدمات دون أصحاب الطلب، بحيث تشكل أعمال تمييزية كل ممارسة فيها شروط التفضيل والمحاباة لبعض المستفيدين أو الشركاء دون البعض الآخر، وقد حدد المشرع نطاقها في الحصول على أسعار أو تطبيقها على الشركاء الاقتصاديين بصفة تمييزية، أو بخصوص آجال الدفع أو شروط البيع، وهي على سبيل المثال لا الحصر

ثالثا: رفض البيع وتقييده

يعتبر رفض البيع من الممارسات المخلة بمبدأ الشفافية بين المهنيين، وهو من صور الاستغلال التعسفي للوضع المهيمن داخل السوق، حيث منع المشرع في المادة 61 من ق.ح.أ.م.  كل منتج أو مستورد أو بائع بالجملة أو مقدم خدمات ،من رفض تلبية طلبات مشتري المنتوجات لأجل نشاط مهني إذا لم يكن لهذه أي طابع غير عادي وكانت مقدمة عن حسن نية.  

وباستقراء المادة 61 من ق.ح.أ.م، نجد أن المشرع لم يجعل منع رفض البيع مطلقا، بل أورد حالتين استثنائيتين لا يعتبر فيهما الرفض ممنوعا، يتعلق الأمر الطلبات غير العادية والطلبات المقدمة عن حسن نية .

والهدف من منع البيع المقيد، أولا حماية الحرية التجارية لدى الشركاء، وثانيا الحيلولة دون تحايل المنتجين أو المستوردين، إذ البيع المقيد سيدفع كل من لا يرغب في البيع إلى فرض شروط تمييزية قصد عزوف المشترين وطالبي الخدمات.

رابعا: الادخار السري

هو تصرف غير مشروع وسبب رئيسي للزيادة في الأثمان ـ خلاف الادخار الاحتياطي فهو مصرح به قانونيا ويتلقى عليه التاجر تعويضا من طرف صندوق الموازنة في حالة

 هبوط الأسعار ـ ويلزم لقيام الادخار السري توافر أربعة شروط وذلك ما نصت عليه المادة 62من ق .ح.أ.م  :

 1_حيازة تجار أو أرباب الصناعة العصرية أو التقليدية أو الفلاحين لمدخرات من بضائع أو منتوجات قصد المضاربة فيها بأي محل كان.

 2_حيازة مدخر من بضائع أو منتوجات ما لأجل البيع لدى أشخاص غير مقيدين في السجل التجاري أو ليس لهم صفة صانع تقليدي أو لا يستطيعون إثبات صفة منتج فلاحي.

 3_حيازة أشخاص مقيدين في السجل التجاري أو لهم صفة صانع تقليدي وفقا للقانون الانف الذكر لمدخرات من بضائع أو منتوجات لا تدخل في نطاق الغرض من صناعتهم أو تجارتهم أو نشاطهم كما هو ناتج عن الضريبة المهنية(البتانتا)،أو عن تقييدهم في اللوائح الانتخابية لغرفة الصناعة التقليدية قصد بيعها.

4_ حيازة المنتجين الفلاحين لمدخر من بضائع أو منتوجات لا علاقة لها بمؤسسات استغلالهم قصد بيعها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني: الجزاءات الجنائية والتأديبية

إن الجريمة لا تشكل غاية في ذاتها وإنما هي سبيل غير مشروع للوصول إلى هدف أو منفعة معينة، خاصة بعد تفشي فيروس كورونا كوفيد19،والتي يحاول البعض استغلاله لصالحه بضرب المصلحة العامة ومصلحة المستهلكين بصفة خاصة، لذلك كانت الدولة المغربية سباقة إلى سن حالات الطوارئ الصحية في مرسومين الأول 2.20.292 و الثاني 2.20.293 يتضمنان جزاءات تأديبية و جنائية لمخالفها، ومن هذا المنطلق أيضا فإن العقوبة التي يقرها المجتمع لا تكون غاية في حد ذاتها وإنما وسيلة – مشروعة- لتأديب الجاني ولإفهامه أنه في مقابل المنفعة التي جناها بانتهاكه لحرمة القاعدة القانونية فإن هنالك منفعة موازية ضاعت للمجتمع بأكمله،وقانون 104.12 لا يشد عن هذا الإطار العام الذي وازن فيه بين مصالح الأفراد ذاتيين أو معنويين وبين مصالح المجتمع المتمثلة في المحافظة على السوق ودعائمها، مسطرا بذلك عقوبات وجزاءات رادعة تختلف بين عقوبات تأديبية (المطلب الأول)وأخرى جنائية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الجزاءات التأديبية

 قد نص المسرع المغربي على نوعين من الجزاءات التأديبية  الجزاءات التأديبية الشخصية (الفقرة الأولى) والجزاءات التأديبية العينية (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى: الجزاءات التأديبية الشخصية

وتتصف هذه الجزاءات الشخصية بكونها تقييد حرية المحكوم عليه بشكل مباشر، أو تشهر بسمعته التجارية .

أولا: منع المحكوم عليه مزاولة النشاط الاقتصادي أو التجاري

بالرجوع الى المادة 81 من ق.ح.أ.م نجد  أن المشرع قد فرض عقوبة المنع بصفة مؤقتة على المحكوم عليه من ممارسة مهنته أو القيام بأي عمل تجاري،إلا أن هذه العقوبة ليست من مستجدات هذا القانون،وإنما هي من العقوبات المعروفة في القانون الجنائي،بل إن المادة 77 من ق.ح.أ.م تحيل مباشرة في حالة مخالفة أحكام المادة 75 و76 على الفصل 40 من القانون الجنائي المغربي،لذلك وجب علينا التطرق إلى المنع من مزاولة النشاط بمقتضى الأحكام العامة في القانون الجنائي،ثم للمنع وفق ق.ح.أ.م.

 

ثانيا: نشر وتعليق الحكم الصادر الإدانة

يعتبر نشر أو تعليق الحكم الصادر بالإدانة من بين العقوبات الإضافية التي نص عليها المشرع ضمن ق.ح.أ.م والتي تمس من اعتبار المحكوم عليه،وتنتج أثر فعال في كشف حقيقته،والطعن في أمانته ومعاملاته،وبيان مخالفاته للمستهلك والمس بسمعته التجارية،إلا أنه ما يلاحظ على هذه العقوبة كونها اختيارية بحيث يترك للقاضي الأمر بالأخذ بها من عدمه ،وفي حالة اتخاذها فإنها تكون على نفقة المحكوم عليه من غير أن تتجاوز مدة شهر واحد،وكذا مصاريف النشر مبلغ الغرامة الأقصى،كما أن المشرع أعطى سلطة تقديرية للقاضي في الأخذ بالعقوبتين معا أو بإحداهما،لتأخذ بذلك إحدى الصور المتمثلة في نشر الحكم في إحدى الصحف أو مختلف وسائل الإعلام،أم الثانية فتتعلق بتعليق الحكم في أماكن معينة يحددها القاضي.

الفقرة الثانية: الجزاءات التأديبية العينية

تمس هذه الجزاءات بشكل أساسي المنشاة أو مؤسسة التي ارتكب فيها المخالفات من خلال الإغلاق (أ)،وقد تمس أيضا حاصل الجريمة أو الوسائل المرتكبة بها من خلال المصادرة (ب).

أ-إغلاق المنشأة أو المؤسسة الاقتصادية

يتم غالبا اللجوء إلى إغلاق المؤسسة التي يباشر فيها النشاط الإجرامي لقطع دابر الإجرام الاقتصادي،إذ قد تؤدي هذه المؤسسة إلى إحداث أضرار جسيمة يصعب تداركها في حالة استمرار اشتغالها،كالإضرار بصحة المستهلك وسلامتهم،أو عندما تنحرف عن الغرض المشروع من إقامتها وانصرافها إلى تسهيل ارتكاب الجرائم المخلة بالمنافسة.

وهكذا،فقد نص المشرع المغربي على هذا المقتضى ضمن الفقرة الأولى من المادة 81 من ق.ح.أ.م بناء على حكم قضائي،إلا أنه هذه العقوبة زجرية، متروكة للسلطة التقديرية للقاضي في الأخذ بها من عدمه،في حالة الحكم بالإدانة من أجل ادخار السري،وإذا كانت مساوئ هذه العقوبة تتجلى في الأضرار التي قد تصيب العاملين بالمؤسسة،فإن المشرع قد أحسن صنعا لما عمل على إلزام المخالف بمواصلة أداء الأجور والحلوان أو التعويضات أو المنافع المختلفة التي كان يستفيد منها العاملون في تاريخ إغلاق المؤسسة وذلك تطبيقا للفقرة الثالثة من نفس المادة،وبهذا تكون الغاية من وراء الأخذ بهذا التدبير هو منع المحكوم عليه من الاستفادة من أرباح النشاط الاقتصادي والتجاري للمؤسسة المترتبة عن الادخار السري،وذلك بالنظر الى خطورة هذه الجنحة على المستهلك وكذا السوق الوطني بشكل خاص.

وإذا كانت عقوبة الإغلاق المؤقت قد نص عليها المشرع صراحة فإن عقوبة حل الشخص المعنوي لم ينص عليها بشكل صريح ضمن مقتضيات ق.ح.أ.م إلا أن أعمال المنطق السليم يجعلنا نؤكد جازمين أن هذه العقوبة من صميم العقوبات الواجبة في هذا المجال،فتدرجا من الأمر بالإغلاق المؤقت،مرورا بالمنع من ممارسة المهنة أو القيام بأي عمل تجاري لمدة معينة،قد تصل إلى حالات المنع النهائي سواء من خلال استعمال المخازن أو المكاتب في ممارسة النشاط،ولعل ما يؤكد هذا أيضا،أحكام الفقرة الرابعة من المادة 81 من ق.ح.أ.م  على تطبيق القانون الجنائي في حالة ما إذا كان هذا الأخير كيف الأفعال المعاقب عليها تكيفا جنائيا أشد.

وعلى هذا الفصلان 36 و 47 من القانون الجنائي ينصان على حل الشخص المعنوي كإحدى العقوبات الإضافية المقررة في حالة الحكم بالإدانة، وهي من العقوبات المستحدثة خصيصا لمواجهة الإجرام الذي قد يباشره الشخص المعنوي من جمعيات وشركات وغيرها من الأشخاص الاعتبارية، على أساس أن هذه العقوبة تتناسب أكثر ووضعية الشخص المعنوي .

    ب_المصادرة

تشير المصادرة في القانون المغربي بصفة مزدوجة، فهي لها صفة العقوبة الإضافية وصفة التدبير الوقائي وتم التنصيص عليها في الفصل 36 من ق.الجنائي.م، في تعداد العقوبات الإضافية كما وردت التدابير الوقائية العينية.

ويمكن القول أمام سكوت المادة 79 عن تحديد طبيعة المصادرة  فإنها تتخذ بصفة مزدوجة، فقد تكون عقوبة إذا كانت الممارسات المخلة بالمنافسة غير خطيرة، والتي تتجلى في الادخار السري أو مخالفة بالمنافسة غير خطيرة والتي تتجلى في الادخار السري أو مخالفة الأحكام الخاصة بالمنتوجات أو الخدمات المنظمة أسعارها، وقد تكون تدبير وقائي عيني إذا كانت نفس الممارسات المخلة بالمنافسة خطيرة، إذا كان أساسا التدبير الوقائي هو الخطورة الإجرامية ، وعرفت المادة 42 من القانون الجنائي  المصادرة بأنها " تمليك الدولة جزءا من أموال المحكوم عليه أو بعض أملاك له معينة .

فالمصادرة كمبدأ عام هي عينية وزجرية، إذ توقيعها على المحكوم عليه متروك لتقدير محكمة الموضوع وتنصب على البضائع ووسائل النقل التي استعملت في الجريمة والأشياء المتحصلة أو المكتسبة منها والأشياء التي يعد منها أو باستعمالها أو حملها او حيازتها أو التصرف فيها جريمة في ذاتها، كما أن المشرع المغربي لم يشر في ق ح أ م إلى نوعية البضائع الخاضعة للمصادرة وكذا المقصود بوسائل النقل،ويمكن القول في هذا الصدد أن الأمر متروك لتقدير محكمة الموضوع فيما يخص نوعية البضائع الخاضعة للمصادرة ولا سيما عندما يكون ضررها جليا على السوق الوطني أو المستهلك، أما ما يخص وسائل النقل فإنها تأخذ بمفهوم واسع حيث تشمل الطائرات والبواخر والعربات ذات المحرك والحيوانات  غير أنه قد يتعذر قانونا الحكم بمصادرة وسائل النقل المرتكبة من خلالها الممارسات المخلة بالمنافسة، خاصة في حالة ما إذا كانت وسائل النقل مملوكة للدولة، كما لو استعملت إحدى عربات السكك الحديدية نقل البضائع المرتكبة المخالفة في شأنها.

ويشترط لقيام المصادرة توفر شرطين :

 أولا : شرط الاستعمال

بان تستعمل البضاعة أو وسيلة النقل في تحقيق جنحة الادخار السري أو جنحة مخالفة الأحكام الخاصة بالمنتوجات أو الخدمات المنظمة أسعارها.

ثانيا : شرط الملكية

وذلك بأن تكون البضاعة أو وسيلة النقل في ملكية الشخص المسؤول عن الجريمة حيث تستثنى البضائع ووسائل النقل المملوكة لشخص أجنبي حسب النية.                      

المطلب الثاني: الجزاءات الجنائية

رتب المشرع على ارتكاب معظم الممارسات المحظورة في ظل قانون حرية الأسعار والمنافسة جزاءا جنائيا يتمثل في الحبس أو الغرامة أوهما معا.

و لتوضيح الأفعال المكيفة سنعمل على تقسيم هذا المطلب إلى نتناول الجزاءات المتعلقة بالممارسات المنافية لقواعد المنافسة(الفقرة الأولى) ، و سنعمل على توضيح الجزاءات المترتبة عن الممارسات المقيدة للمنافسة( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الجزاءات المقررة لممارسات منافية لقواعد المنافسة

تطبيقا للمادة 75 ق.ح.أ.م يعاقب بجزاء جنائي كل شخص طبيعي شارك على سبيل التدليس أو عن علم مشاركة شخصية في تخطيط الممارسات المنصوص عليها في المادتين 6 و7 أو تنظيمها أو تنفيذها أو مراقبتها، وقد حدد هذا الجزاء في الحبس من شهرين إلى سنة وغرامة من 10.000 إلى 500.000 درهم أو إحداهما  فقط ، ويمكن طبقا للمادة 77 أن يعاقب مرتكبي المخالفة بالحرمان من واحد أو أكثر من الحقوق المنصوص عليها في الفصل 40 من ق.الجنائي..م بغض النظر عن تطبيق الفصل 87 من نفس القانون المذكور.

 وهكذا استلزم المشرع المغربي لتوقيع الجزاء ضرورة توفر الركن المادي والركن المعنوي فالأول يتحقق بإثبات نشاط ايجابي،مرتبط باتفاقيات المحظورة أو الاستغلال التعسفي للوضع المهيمن أو للتبعية الاقتصادية وذلك إما عن طريق المشاركة الشخصية في التخطيط أو التنظيم أو المراقبة وبالتالي لا مجال للحديث عن المسؤولية الجنائية لفعل الغير هنا .

أما الركن المعنوي فيقدم من خلال إتيانها عن سابق علم أو باستعمال وسائل احتيالية ومن خلال تحليل المادة 75 يمكن استنتاج نقطتين:

1-أن المشرع حظر مجرد اتفاق،بل تشدد واعتبر أن حتى الاتفاق الذي يمكن أن تترتب عنه الفعل المشار إليه أعلاه ضمن الحظر،كما أن مقتضيات مادة 6 لا تدخل ضمن العقوبة المضمنة في المواد من75 إلى 83 من قانون 104.12 ذلك أن الاتفاق قد يتطلب على الأقل وجود شخصين أما ما هو منصوص عليه في المادة 6 فإنها تمارس من طرف شخص واحد وبالتالي فهذه المواد لا تطبق إلا على مادة 7 من نفس القانون.

2-إن العقوبة الحبسية التي وضعها المشرع لا تتناسب وخطورة الأفعال المسيطرة بمقتضى المادتين 6و7 خاصة عندما نقارنها بالعقوبة الحبسية المنصوص عليها في المادة 76 من نفس القانون،والمتخذة لمعاقبة أفعال أقل جسامة حيث تراوح من  شهرين إلى سنتينو بغرامة من عشرة الالف 10.000 إلى خمسمائة ألف 500.000 درهم أو بإحدي هاتين العقوبتين فقط ،خصوصا وأن المشرع الفرنسي مثلا قد عاقب على التخطيط أو التنظيم أو تنفيذ الممارسات المشار إليها في المادتين 6 و7 من قانون 104.12، بالحبس من 6 أشهر إلى 4 سنوات.

وأخضع المشرع لنفس الأحكام حالة عدم التقييد بالتبليغ وعدم الوفاء بالالتزام الملقى على عاتق المقاولات فيما يخص مشاريع التركيز الاقتصادي، وحالة عدم التقيد بقرارات الوزير الأول المتعلقة بالتدابير التحفظية من جهة وتلك التي تتضمن أمرا يجعل حدا للممارسات المنافية لقواعد المنافسة من جهة أخرى.

الفقرة الثانية: الجزاءات المقررة للممارسات المقيدة لقواعد المنافسة

بالرجوع إلى المادة 79 من ق.ح.أ.م نجد أن المشرع قد ميز بين علاقة المهنيين فيما بينهم،وبين علاقة المهنيين بالمستهلكين بشان الإخلال بتسليم الفاتورة،ففي إطار العلاقة الأولى رتب عليها غرامة مالية تتراوح بين 100.000 إلى 500.000درهموبالحبس من شهرين إلى سنتين على المخالفات لأحكام المادتين 62و66 من هذا القانون،أما العلاقة الثانية فإن الغرامة تتراوح ما بين 1.200 إلى 200.000  درهمو بالحبس من شهرين إلى سنتين أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط الفقرة الرابعة من المادة 81 ق.ح.أ.م.

وإذا كان المشرع المغربي قد أحسن صنعا من خلال التمييز،خاصة إذا علمنا أن العلاقة بين المهنيين تقوم على أساس الاحترافية والعلم بظروف السوق الوطنية،بالإضافة إلى الكميات الكبيرة التي يتعاملون بها فيما بينهم بشان المنتجات والبضائع،مقارنة مع علاقة المهنيين بالمستهلكين التي تتسم بانعدام التكافؤ،بحيث يوجد المهنيون في مركز قوة بينما المستهلكون فهم دائما الطرف الضعيف،فإنه لم يكن موفقا في توقيع هذه الجزاءات،حيث تبقى  ضعيفة،ولا تفي بالغرض المطلوب،خاصة إذا قارناها مع التشريع الفرنسي والتي تصل الى 75.000 اورو بمقتضى الفقرة الرابعة من مدونة التجارة الفرنسية  ،بل وقد تصل إلى50في المئة من مبلغ الفاتورة المفترضة،إذ  تعلق الأمر بالأشخاص الطبيعيين،والى 375.000 اورو،إذا تعلق بالأشخاص المعنويين في حالة ثبوت مسؤوليتهم الجنائية.

بالإضافة إلى هذا نجد أن المشرع قد وحد الجزاء بالنسبة لكافة المخالفات المخلة بحماية المستهلك وإعلامه،وكذلك تلك المتعلقة بالشفافية في العلاقات التجارية بين المهنيين،وهو جزاء لا يليق بجنح ذات طابع اقتصادي ما دام أن المهني بإمكانه القيام بعمليات حسابية للموازنة بين ما يدره من أرباح من خلال هذه الجنحة وما يستلزمه لدفع الغرامة،لذلك كان على المشرع إعادة النظر في طبيعة هذه العقوبة وذلك بالرفع منها والحذو نحو صياغة المادة 81 من ق.ح.أ.م.

وإذا كان المشرع قد استعمل الغرامة كعقوبة أصلية وحيدة في هذه المادة،وإذا كانت أيضا من الجزاءات التي ينص عليها القانون الجنائي،فإن ما يميزها ضمن ق.ح.أ.م هو إقصاؤها من مجال تطبيق الظروف المخففة،تطبيقا للمادة 84 من هذا القانون ،وعليه فإن القاضي في هذه الحالة لا يجوز له أن ينقص من مبلغ الغرامة أو يلغيها ،أما وقف تنفيذها،فإن كان غير جائز في الغرامة الإدارية وفق ما تنص عليه المادة 95 من ق.الجنائي.م ،فإنه لا مانع  من تطبيقه بالنسبة للغرامة الصادرة و عن

 المحاكم الجنائية وذلك إعمالا للقاعدة العامة في القانون الجنائي والتي يكرسها الفصل 55 منه .

وعلاوة عل ذلك،فقد نصت المادة 79 من ق.ح.أ.م على غرامة 100.000 إلى 500.000 درهم وبالحبس من شهرين إلى سنتين  بشان المخالفات المتعلقة  بالادخار السري المنصوص عليها في المادتين 62و66 من هذا القانون.

وما يمكن ملاحظته،انطلاقا من هذه المادة،أأن المشرع قد أضاف العقوبة الحبسية إلى عقوبة الغرامة بشكل إجباري،كما أنه رغم منح للقاضي سلطة تقديرية من خلال وضع العقوبتين بين الحد الأدنى والأقصى،فقد ألزمه بالجمع بين العقوبتين بحيث استلزم أن تكون العقوبة شاملة للغرامة والحبس معا،ولعل هذا التشديد يجد تبريره في السعي إلى حماية المنافسة من التحريف والتزوير وكذا حماية المستهلك والفاعلين الاقتصاديين من المضاربات،خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالادخار السري،وهذا الأمر محبذ لأن من شأنه التقليص من هذه الممارسات،ومن ثم تحقيق الردع بنوعية العام والخاص،

كما أننا لا ندرك الغاية التي توخاها المشرع المغربي عندما نص في هذه المادة 79 على عقوبة الغرامة متبوعة بعقوبة الحبس،في حين أن العكس هو الصحيح،الشيء الذي جعل البعض يقول بأننا لا نعتقد ذلك مادام تم تقييد سلطة القاضي في الأخذ بالعقوبتين معا،لكنها رغم ذلك فهي تعيب منهجية صياغة النصوص ،خاصة عندما يتم الأخذ في بعض المواد بالعقوبة الحبسية متبوعة بالغرامة ثم يعكس الصورة في مواد أخرى.

وقد عاقب المشرع من خلال المادة 80 منق.ح.أ.م كل شخص مسؤول عن إخفاء بضاعة أو منتوج صدر أمر بحجزه وفقا لأحكام الفقرة الثانية من المادة 70 من هذا القانون،وذلك بغرامة يمكن أن تصل إلى عشر مرات من قيمة البضاعة،أو المنتوج الذي وقع إخفاؤه،ليضيف بذلك المشرع طريقة أخرى لحساب الغرامة ،ويخرج عن الطريقة الكلاسيكية التي تقوم على تحديد المبلغ بين الحد الأدنى والأقصى.

وتجب الإشارة إلى أن المشرع المغربي قد أحسن صنعا عندما شدد هذه الغرامة،؟لأن ارتكاب هذه الجريمة دائما يكون بدافع سوء النية،كما أنها تلحق أضرارا كبيرة بالسوق مما يجعل أثارها تنعكس سلبا على المستهلك،خاصة إذا علمنا أن هذا الإخفاء يكون بعد صدور أمر بالحجز طبقا للفقرة الثانية من لمادة 70 من ق.ح.أ.م .

عموما،فلا يختلف اثنان على أن الهدف المنشود من وراء فرض عقوبة الغرامة المالية لا يتأتى بلوغه إذا كان المحكوم عليه غير قادر على أداء المبالغ المستحقة عليه،فإذا عجزت المنشأة عن أدائها،طبقت عليها مسطرة صعوبات  المقاولة،أما إذا تعلق الأمر بشخص طبيعي،فإنه يصبح في حالة عجزه عن الأداء معرضا للإكراه البدني،وكلا النتيجتين تؤثران سلبا على المجال الاقتصادي،وتنظيم المنافسة عموما،وبعبارة أخرى إذا كان الهدف من فرض الغرامة في حالة مخالفة قواعد الأسعار والمنافسة،هو حماية السوق،فإن الأمر ينقلب إلى ضده،إذا كانت نتيجة هذه الحماية هي اختفاء المقاولات من المنافسة بسبب العجز عن الأداء،الأمر الذي سينتج عنه في نهاية الأمر الإضرار بالمنافسة وبالاقتصاد ككل.

خاتمة :

يتضح من خلال دراستنا لموضوع الحماية الجنائية لحرية الأسعار والمنافسة في العلاقات لاقتصادية، أن هذه – المنافسة- بوجه عام ليست قانونا فحسب، بل هي ثقافة وسلوك وممارسة، تقتضي التخلي عن الممارسات المخلة بها، والتحلي بسلوكات مشروعة وأخلاقية من خلال احترام قواعد ومبادئ الشفافية والنزاهة.

وإذا كانت الحماية الجنائية التي يقررها ق ح أ م، تظهر من الخارج أنها تحمي المستهلك في مواجهة المهني، وتحمي هذا الأخير في مواجهة بعضهم البعض، من خلال بعض العقوبات الجنائية، إلا أنها تشكل عام يغلب عليها جانب حماية النظام الاقتصادي باعتباره الغاية التي تريد المنافسة تحقيقها، وذلك بمجرد وقوع أي مساس به، ولو لم يحصل أي ضرر للفعاليات الاقتصادية داخل السوق، وحجيتها في ذلك ما تنص عليه المادتين 8 و76 من هذا القانون.

بيد أن تفحص ق.ح.أ.م خاصة المقتضيات الزجرية منه، يؤدي بنا إلى القول بأن هذه الحماية تبقى قاصرة في نظرنا عن تحقيق أهدافها، وهذا راجع بالأساس إلى كون هذا القانون اعتمد تقنية الإحالة الداخلية بشكل معيب، حيث إذا كان تمييز الأفعال والممارسات المحظورة ضمنه الرؤية لأجل تسهيل عملية قراءة القانون، وبالتالي حسن تنفيذه، فإن تقنية الإحالة الداخلية التي اعتمدها المشرع لهذه الغاية اعترضتها العديد من الأخطاء والعيوب التي طالت التصنيف والتقسيم، حتى كادت أن تعطلها في بعض الحالات، وعطلتها فعلا في أخرى، كما طالت أيضا الركن المادي، حيث يصعب كثيرا على القاضي الجنائي استيعابه بشكل دقيق، حتى يتخذ العقوبات اللازمة بشأن الجرائم المكونة منه.

لائحة المراجع :

       الكتب 

1_ محمد إبراهيم أبو شادي ’دور الأجهزة الأمنية في تنفيذ قوانين حماية المنافسة ومنع الاحتكارات’االطبعة2012. عبد الناصر

2_فتحي الجلوي محمد ’الاحتكار المحظور وتأثيره على حرية التجارة’دراسة قانونية مقارنة ’دار النهضة العربية 2008

3_ عبد السلام بنحدو،الوجيز في القانون الجنائي المغربي الطبعة الثانية 1997 بدون ذكر المطبعة.

4_أبوبكر مهم ،أستاذ بكلية الحقوق بسطات ،حماية حقوق المستهلك الاقتصادية من خلال الالتزام بالاعلام ،القسم الثاني من القانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك.

5_ عبد الرؤف المهدي،المسؤولية عن الجرائم الاقتصادية فيالقانونالمقارن طبعة 1976، دون ذكر المطبعة.

       الأطروحات و الرسائل   :

1_ أشرف برادة ،الحماية الجنائية للمنافسة في المجال التجاري ،رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ماستر المدني و لأعمال ،كلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية بطنجة،السنة 2009.2010..

2_ نوال الرحمونى ، حرية الأسعار وتنظيم المنافسة في القانون المغربي ،أطروحة لنيل

الدكتورة في القانون الخاص،جامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية،السنة 2008/2009.

3_ سعاد البدري،حماية الحق في المنافسة على ضوء قانون 99.06 ،رسالة لنيل دبلوم  الماستر في القانون الخاص،كلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية بطنجة،السنة2010.2009.

4_ ادريس الأكرد ،قانون حرية الأسعار والمنافسة الجديدة ودوره في تأصيل المقاولة

المغربية،نحو إدارة اقتصادية فاعلة.رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام.جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة،السنة2006.2007.     

 

5_مريم الصالحى،الحماية الجنائية لحرية الأسعار والمنافسة،رسالة لنيل دبلوم في القانون الخاص،ما ستر النظام الجمركي،جامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة2014/2015.

6_ بو شعيب نشاط، القانون الجنائي للمنافسة، تقرير لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة

في قانون الأعمال، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، عين الشق، كلية العلوم القانونية

والاقتصادية والاجتماعية، السنة الجامعية، 2005-2006.

 

     المجلات والمقالات :

  1_ أبوبكر مهم ،الاتفاقات المنافية للمنافسة ،قراءة في  المادة 6 من القانون رقم 06.99 المتعلقة بحرية الأسعار و المنافسة ،مقال منشور بمجلة القضاء و القانون ،عدد 156،مطبعة الأمنية الرباط.

 

       النصوص القانونية :

1_ ظهير شريف رقم1.14.116 صاد في 2 رمضان1435 (30 يونيو 2014 ) بتنفيذ القانون رقم 104.12 المنظم لحرية الأسعار والمنافسة.

2_ ظهير شريف رقم 1.11.03 صادر في 14 ربيع الأول 1432(18 فبراير2011) بتنفذ القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك.

3_ظهير شريف رقم 1.59.413 صادر في 28 جمادي الثانية 1382 (26نونبر1962) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائى.

4_ مرسوم قانون رقم 2.20.292 صادر في 28 من رجب 1441 الموافق ل 23 مارس 2020 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية و إجراءت الإعلان عنها.

5_  مرسوم قانون رقم 2.20.293 صادر في 29 من رجب 1441 الموافق ل 24 مارس 2020 بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا-كوفيد19.

6_  ظهير شريف رقم 1.83.108 صادر في 9 محرم 1405 (5 أكتوبر 1984) بتنفيذ القانون رقم 13.83 المتعلق بالزجر عن الغش في البضائع.

TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *