-->

كاتب الضبط الالكتروني بين المحكمة الورقية و الرقمية


كاتب الضبط الالكتروني بين المحكمة الورقية و الرقمية

ياسين الحريضي

منتدب قضائي بالمحكمة الابتدائية بالقصر الكبير

باحث بسلك الدكتوراه

 

شهد العالم مع بداية سنة 2020 اجتياح وباء كوفيد 19 و الذي انتشر كالنار في الهشيم، فارضا على البشرية جمعاء مجموعة من الاجراءات الوقائية و الاحترازية من اجل منع انتشار العدوى انسجاما مع توصيات منظمة الصحة العالية، من اجل الحفاظ على صحة و سلامة الجنس البشري و من بين هذا التدابير الاحترازية فرض الحجر الصحي و البقاء في المنازل مع الالتزام بضرورة التباعد الاجتماعي، و هو الامر الذي غير بشكل كبير نمط عيش و سلوك الاشخاص سواء الطبيعيين او المعنويين، فالإدارة بدورها غيرت من نمطها و سلوكها في تقديم الخدمات للمرتفقين من خلال ابتكار وسائل عصرية و حديثة ، هذه الوسائل الحديثة في المجتمعات السائرة في طريق النمو، قد تبدو عادية او قديمة في المجمعات المتقدمة ،فبعدما كانت الادارة قائمة على الاساليب التقليدية القديمة و التي تستعمل الورق اصبحت الحاجة ملحة الى الانتقال الى الوسائل الالكترونية بعدما أثبتت الدراسات العلمية و الطبية ان التداول الورقي يساهم بشكل كبير في نقل العدوى ،

و المغرب و كغيره من الدول السائرة في طريق النمو لم يسلم من انتشار العدوى بين المواطنين و العمال و الفلاحين و حتى الموظفين جراء اتصالهم المباشر بالمرتفقين القاصدين الادارة لقضاء مصالحهم خصوصا حاملي هذا الفيروس او حتى المخالطين لهم، الامر الذي حتم على الحكومة المغربية و في اطار التدابير الوقائية و الاحترازية الانتقال السريع الى الادارة الالكترونية في تعاملها اليومي مع جمهور المرتفقين، و يمكن تعريف الادارة الالكترونية حسب ما ذهب اليه بعض الباحثين امثال د/مصطفى يوسف كافي ، بانها العملية الادارية القائمة على الامكانات المتميزة للأنترنيت و شبكات الاعمال في التخطيط و التنظيم و التوجيه و الرقابة على الموارد، و القدرات الجوهرية للشركة و الاخرين بدون حدود من اجل تحقيق اهداف مشتركة" كما عرفها د/علاء عبد الرزاق محمد حسن السالمي بانها " عملية مكننة جميع مهام و نشاطات المؤسسة الادارية بالاعتماد على كافة تقنيات المعلومات الضرورية وصولا الى تحقيق اهداف الادارة الجديدة في تقليل استخدام الورق و تبسيط الاجراءات و القضاء على الروتين و الاتخاذ السريع و الدقيق للمهام و المعاملات لتكون كل ادارة جاهزة للربط مع الحكومة الالكترونية لاحقا " و هي عكس الادارة التقليدية التي يعرفها د/مصطفى يوسف كافي بانها الادارة التي يتم تنفيذ الاعمال بالمعاملات الورقية كما هو متعارف عليه، و هذا يتطلب مستودع كبير لحفظ المعاملات الورقية في ملفات و مجلدات و مكاتب"

اما المحكمة الرقمية او المحكمة الالكترونية فيعرفها الباحث المصري د/ هلال محمد رضوان انها محكمة تعتمد إجراءاتها على سجلات إلكترونية مندمجة في نظام الكتروني داخل حواسيب ممسوكة من طرف قضاة المحكمة وكتابة ضبطها ضمن شبكة داخلية تربط بين كافة الأجهزة والحواسيب بطريقة تفاعلية، ومتصلة في نفس الآن بالشبكة الدولية التي تتجمع فيها كافة المعلومات المتحصلة معلوماتيا من أنشطة هذه المحكمة،

و في هذا الصدد وجب الاشارة الى ان المغرب ليس حديث العهد بدمج المرفق العمومي في ركب التكنولوجيا، فقد كانت البدايات مند سنة 1997 من خلال تأسيس "اللجنة الاستراتيجية لتكنولوجيا المعلومات" و التي كانت تهدف الى تنمية مجتمع المعرفة عبر تعميم استعمال تكنولوجيا المعلومات و الاتصال بين مختلف الاطراف الفاعلة في المجتمع، و هو الامر الذي اكده جلالة الملك محمد السادس في رسالته التوجيهية الموجهة الى اشغال المناظرة الوطنية حول "الاستراتيجية الوطنية لإدماج المغرب في مجتمع المعرفة و الاعلام " المنعقدة بالرباط بتاريخ 23 ابريل 2011 و التي جاء فيها مايلي: "سيظل اصلاح الادارة العمومية و عصرنتها من بين الرهانات الرئيسية التي يطرحها تقدم بلادنا، اذ يتعين ان نوفر لأجهزتنا ما يلزم من ادوات تكنولوجية عصرية بما فيها الانترنيت لتمكينها من الانخراط في الشبكة العالمية و توفير خدمات اكثر جودة لمتطلبات الافراد و المقاولات" و انسجاما مع التوجيهات الملكية في هذا الاطار فقد انخرطت معظم الادارات العمومية المغربية، سواء المركزية او الجهوية او المحلية في تحديث و اصلاح الادارة المغربية من خلال اطلاق ورش الادارة الالكترونية.

و المحكمة باعتبارها مرفق عمومي يقدم الخدمة القضائية للمتقاضين و المرتفقين انخرطت بدورها في هذا الورش من خلال الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة من اجل كسب رهان المحكمة الرقيمة في افق سنة 2020 و تحقيق هدف "محكمة بدون ورق" و الذي انخرطت فيه كل من وزارة العدل و المجلس الاعلى للسلطة القضائية و باقي مكونات اسرة العدالة، في اطار التنزيل السليم لمضامين و اهداف ميثاق اصلاح منظومة العدالة ،لكن و بالرغم من المجهودات المبذولة في هذا المجال لا تزال تطفو على السطح العديد من الاشكالات و المعيقات تجعل من كسب رهان المحكمة الرقمية صعب المنال، و هي معيقات بشرية و قانونية، و اخرى تتعلق بالفجوة الرقمية سنحاول تسليط الضوء على هذه المعيقات من خلال المحورين التاليين.

 

المحور الاول: المعيقات البشرية

يعتبر العنصر البشري قطب الرحى في عمل الادارة و يعتبر موظفو كتابة الضبط احد أهم عناصر الخدمة القضائية داخل المحاكم على اختلاف درجاتها و تصنيفاتها، بحكم الارتباط المباشر سواء مع المتقاضين او المرتفقين او مع باقي المهن القضائية الاخرى(المحامين و المفوضين القضائيين و العدول و الخبراء و التراجمة..) هؤلاء الاطر و الموظفين منهم من راكم تجارب عديدة من خلال تمرسه في العديد من الشعب خلال مساره المهني اهلته لكسب كل التحديات و منهم ايضا موظفين ذوي تكوين علمي و تقني عالي انخرطوا من الوهلة الاولى لالتحاقهم بالمحاكم في منظومة التحديث بحكم تخصصاتهم العلمية و التقنية، كما ان هناك فئة اخرى من الموظفين لم تستطع مسايرة هذا الكم الهائل من التطور التكنولوجي و لم تستطع الانصهار في هذه المنظومة التكنولوجية الحديثة و ضلوا لفترات طويلة متشبثين بالممارسة التقليدية في مسك السجلات و الاعتماد على الورق في كل مهامهم، و الامر هنا لا يقتصر على الموظفين فقط بل نكاد نجزم ان فئة كبيرة من العاملين بالمحاكم لم تستسغ هذا التحول بل منهم من وقف ضد موجة التحديث و العصرنة ،ربما يتعلق الامر بالعقليات التي لم تستوعب ان التحول الرقمي لا محيد عنه و ان الانتقال من المحكمة الورقية الى المحكمة الرقمية امر محتم لا مفر منه ،فالعمل بالمحكمة الرقمية يتم عن طريق استخدام تقنيات المعلومات و الاتصال في إنجاز إجراءات التقاضي أمام المحاكم وذلك من خلال تحويل الإجراءات الاعتيادية (الورقية) إلى إجراءات إلكترونية، كما أن ملفات الدعاوى الإلكترونية تختلف بالضرورة عما هو موجود حاليا، فتزول الآلية التقليدية في التدوين لإجراءات التقاضي، وتحل محلها آليات برمجية متطورة تختلف من حيث الشكل و المضمون، كما تختلف آلية تقديم البيانات، الأمر الذي يؤدي الى سرعة البت في الدعاوى من جهة، و توفير الجهد و المال على المتقاضين و محاميهم من جهة أخرى، هذا الانتقال و التحول من الورقي الى الرقمي ليس من السهولة تكرسيه سواء لدى القضاة او الموظفين او حتى لدى باقي المهن القضائية الاخرى و التي بدورها يصعب على البعض منهم التعامل مع التكنولوجيا الحديثة رغم توفرها لديهم ، فرغم توفر هذه الوسائل الحديثة و التي اصبحت في المتناول و توفر عناء الانتقال الى المحاكم لمعرفة مال الملف او الاستفسار عن أي اجراء يضطر البعض الى الانتقال الى المحاكم للتأكد من الاجراءات رغم اطلاعه عليها في المواقع الالكترونية المتاحة لهذه الغاية إما بدعوى عدم المعرفة و الالمام بهذه التكنولوجيا او بدعوى ان شبكة الانترنيت غير متوفرة او انها لا تعمل جيدا او بدواعي اخرى واهية ،المهم هو الانتقال الى المحكمة و الالتقاء المباشر مع الموظف للاطمئنان و التأكد و هو الامر الذي قد يخلق نوع من هدر الجهد و الوقت للطرفين معا ،فكيف يعقل ان يقوم الموظف بإدخال كل البيانات لتصبح متوفرة بشبكة الانترنيت و هو الامر الذي يتطلب من الموظف جهد ووقت و تركيز، تم يأتي اليه محام او متقاضي يسأل عن الاجراء رغم توفر لوحة قيادة داخل كل محكمة تسهل الولوج الى المواقع الالكترونية و معرفة مال الملفات و اخر الاجراءات، و ذلك راجع كما اشرنا سابقا الى مسالة العقليات التقليدية التي لا تزال تحن للورق في التعاملات اليومية و لا تجد ثقة الا في الاوراق الموقعة و المختومة بطابع يحمل اسم المحكمة و توقيع الموظف، ربما هي أزمة ثقة في الانظمة المعلوماتية الحديثة، تجسدت ازمة الثقة هذه مؤخرا في اجراءات التقاضي عن بعد ، خصوصا مع جائحة كورنا التي فرضت الامر الواقع من خلال التعامل مع الوسائل الحديثة في الاتصال، حيث احتج بعض المحامون على تجربة التقاضي عن بعد بدعوى انها لا تنسجم و ضمانات المحاكمة العدالة و لا تحقق مبدا حق الدفاع، ربما التجربة لا تزال حديثة العهد لدى الجميع و ينقصها بعض الوقت لتنضج اكثر.

و من اوجه هدر الجهد و الوقت ايضا نجد ازدواجية المهام حيث هناك من لا يزال يسجل الاجراءات في السجلات الورقية و السجلات الرقمية و هذا ايضا هدر للجهد و الوقت، هذا التغير السريع في تقديم الخدمة القضائية عن بعد يجد فريق معارض له و في هذا السياق ذهب بعض الباحثين الى القول انه ينبغي ان يكون التغيير متكاملا و الاداء منسجما، و ان تتم اعادة تنظيم شاملة للخدمات و الادوار و ذلك لان ادارة الخدمات التي تقدمها عبر الانترنيت لها خصوصيتها و مقوماتها التي تختلف عن الادارة التقليدية لمثل هذه الخدمات.

في المقابل يري بعض المتتبعين للشأن القضائي ان وزارة العدل لم تهيئ الارضية الصلبة لإنزال سليم للعصرنة و التحديث رغم التجهيزات المتطورة المتوفرة بالمحاكم(تزويد المكاتب بأجهزة الحاسوب و الطابعات و اجهزت الخادم و الربط بشبكة الانترنيت و تزويد القضاة بالحواسيب المحمولة لتسهيل تحرير الاحكام و طبعها...) حيث كان على وزارة العدل قبل الاستثمار في التجهيزات ان تستثمر في العنصر البشري و تأهله ليواكب كل هذا الزحم التكنولوجي و الاعلامي الهائل الذي نزل بوثيرة متسارعة بالرغم من بعض الدورات التكونية المتفرقة في صفوف القضاة و موظفي المحاكم الا انها لم تستطع تغطية الحاجة الملحة الى التكوين التكنولوجي و الاعلامي و خصوصا في التعامل مع جهاز الحاسوب و الأنظمة و البرامج الحديثة المثبتة و شبكة الانترنيت امام التزايد المتسارع لسياسة التحديث التي نهجتها وزارة العدل ،كما ان التكوين لم يشمل باقي المهن القضائية الاخرى لتنخرط بدورها في هذا التحول الرقمي ،ربما كانت غاية و هدف الوزراء السابقين هي تحقيق السبق في الإعلان عن الانتقال الى المحكمة الرقمية، فكل وزير كان يمني النفس ان يسجل هذا السبق و الانجاز باسمه الخاص إبان توليه وزارة العدل.

هذه المعيقات البشرية ساهمت بشكل كبير في تعطيل الانتقال الحقيقي نحو المحكمة الرقمية، الا ان المعيقات القانونية كان لها الدور الاكبر في ذلك امام غياب ترسانة قانونية تؤطر العمل بهذه الوسائل الحديثة اضافة الى الفجوة الرقمية التي خلفت هوة كبيرة بين المحكمة و الاخرى.


المحور الثاني : المعيقات القانونية و الفجوة الرقمية

تشكل الترسانة القانونية الدرع الواقي و صمام الامان لكل الاجراءات داخل المحاكم بمختلف درجاتها و تصنيفاها فالنظام القانون هو الذي يؤطر عمل هذه الاخيرة، و في هذا الصدد يشير الباحث ذ/الخامس فاضيلي، ان نظام العدالة الرقمية يجد قواعد قانونية في القانون 05-53 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات الالكترونية، هذا القانون الذي حدد النظام المطبق على المعطيات القانونية التي يتم تبادلها بطريقة الكترونية وعلى المعادلة بين الوثائق المحررة على الورق وتلك المعدة على دعامة الكترونية وعلى التوقيع الالكتروني و يحدد النظام القانوني المطبق على التوقيع الالكتروني المؤمن والمشفر وكيفية المصادقة الالكترونية، هذا المقتضيات ستساهم لا محالة في تنزيل نظام العدالة الرقمية في بلادنا

ومن جهة أخرى، فإن العدالة الرقمية باعتبارها نظام معلوماتي تخضع للقواعد الحمائية المنصوص عليها في القانون رقم 03-07 المتعلق بالجرائم الواقعة على نظم المعالجة الآلية للمعطيات، إذ عمد المشرع في هذا القانون إلى مواجهة الأفعال الجرمية المنصبة على المعلوميات، وهي جريمة الدخول أو البقاء غير المشروع في نظام المعالجة الآلية للمعطيات أو في جزء منه مع النص على ظرف مشدد إذا نتج عن الدخول أو البقاء حذف أو تغيير أو اضطراب في سيره، وجريمة عرقلة سير نظام المعالجة الآلية للمعطيات والإخلال به، وجريمة إدخال معطيات في نظام المعالجة الآلية للمعطيات أو إتلافها أو حذفها أو تغيير المعطيات أو طريقة معالجتها أو طريقة إرسالها وجريمة التزوير أو التزييف المعلوماتي.

ومادامت المحكمة الرقمية تتضمن معطيات وبيانات خاصة شخصية، فهي بذلك تخضع للقانون رقم 08.09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، والذي عهد إلى اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات طابع شخصي مسؤولية السهر عليها، مما يتطلب العمل على تحصين الأنظمة المعلوماتية وتأمين الخوادم بهدف تحقيق الحماية للمتعاملين في ميدان العدالة و لتعزيز هذه الحماية فقد حرص المشرع المغربي و انسجاما مع التوجه نحو حوسبة كل الاجراءات وضمان و حماية حقوق المتقاضين و بعدما أفرز الواقع العملي أن التبليغ العادي يعتبر العائق الأكبر وراء البطء في البث في القضايا وكذا تنفيذها والذي من شأنه أن يؤثر على مردودية وجودة العمل القضائي، لذا كان لزاما على المشرع المغربي أن يتدخل لإقرار طرق جديدة وحديثة للتبليغ وهو ما تأتى من خلال مشروع قانون استعمال الوسائط الإلكترونية في الاجراءات القضائية في إطار مسلسل إصلاح منظومة العدالة بالمملكة الذي أسفر عن إصدار ميثاق وطني من بین أهدافه الرئیسیة العمل على رقمنة المحاكم و اعتماد الإدارة الإلكترونية، وذلك للقضاء على سلبيات الوسائل التقليدية في التبليغ التي أثبتت عدم نجاعتها وفعاليتها لحل هذه المعضلة، و يرى الباحث بوبكر بهلول، ان هدف المشرع المغربي من خلال إتباع هذه المسطرة هو ضمان تبليغ الاستدعاء للشخص تبليغا شخصيا في حسابه الإلكتروني مباشرة بشكل أمن دون عناء التنقل أو التكاليف، وهذا من شأنه أن يقلل من أعباء وضغوطات العمل على المكلفون بالتبليغ و هو ما اكده وزير العدل محمد بنعبد القادر، بالقول أن مراجعة قانون المسطرة المدنية ستتضمن العديد من المستجدّات التي ستسهم في التغلب على المشاكل المطروحة أمام إجراءات التبليغ، منها اعتماد التبليغ الإلكتروني، الذي سيحقق المزيد من الفعالية والشفافية في هذا الشأن، و في السياق نفسه فقد تم تتمیم الفصل 41 من قانون المسطرة المدنیة بثمانية بنود إضافية تناولت التبليغ الالكتروني و ذلك بالتنصيص على إحداث منصة الكترونیة رسمية للتقاضي عن بعد تتولى تأمين عملية التبادل اللامادي للإجراءات بین المحامین و محاكم المملكة بما یضمن موثوقية المعطیات المضمنة و سلامة الوثائق و أمن و سریة التبادلات الإلكترونية و غیرھا،و من أجل ضمان التبليغ الالكتروني فرض مشروع القانون على أصحاب المھن القضائية من محامين و مفوضين قضائيين و خبراء إنشاء حسابات الكترونیة كما افترض توفر الإدارات العمومية على عناوين الكترونیة في حین ترك لباقي الأطراف الحریة في الإدلاء بعناوينهم الإلكترونية.

و من بين مستجدات المشروع الجدید أنه أتاح للطرف المدعي إيداع المقال الافتتاحي لدى كتابة الضبط على حامل ورقي أو عبر النظام الالكتروني المعد لهذه الغایة وفق الكیفیات التقنية بمقتضى نص تنظمي ( الفصل 31 من المشروع ) كما أتاح إمكانية الأداء الالكتروني في جمیع الأحوال التي تستوجب تأدية وجیبة قضائية أو إيداع مبلغ بما في ذلك المصاريف التي تتطلبھا إجراءات تحقيق الدعوى ( الفصل 528 من المشروع ) وھي إمكانية من شأنا تخفيف العبء على الأطراف و دفاعهم و تجسيد مبدأ القرب عملیا.

من جانب اخر فقد ساهمت الفجوة الرقمية بدورها في تعطيل المحكمة الرقمية، وقد ظهر مصطلح الفجوة الرقمية في الولايات المتحدة الامريكية سنة 1990 من خلال تقرير وزارة الخارجية الشهير تحت عنوان "السقوط من فتحات الشبكة" و الذي لفت الانظار الى الفارق الكبير بين فئات المجتمع الامريكي في استخدام الكمبيوتر و الانترنيت خصوصا الأمريكيين السود و النازحين من امريكا اللاتينية و بهذا الصدد يشير الباحث الكويتي نبيل علي ،ان مفهوم الفجوة الرقمية سرعان ما اتسع ليتجاوز النطاق المحلي لينتشر استخدامه عالميا، و يعرفها الباحث الفرنسي Michel Elie من خلال كتابه Le fossé numérique الصادر سنة 2001 بانها :"اللامساواة أمام إمكانيات بلوغ المعلومة (والمساهمة فيها) والمعرفة والشبكات, وكذا الاستفادة من مقدرات التنمية الهائلة التي توفرها تكنولوجيا الإعلام والاتصال، هذه العناصر هي الأجزاء البارزة للفجوة الرقمية التي تعكس مزيجا من العوامل السوسيواقتصادية الواسعة، سيما عدم كفاية البنى التحتية والتكلفة العالية للبلوغ وضعف الإنتاج المحلي للمحتويات والقدرة اللامتساوية للاستفادة، على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، من أنشطة شديدة الكثافة بالمعلومات" و بتعبير اخر فالفجوة الرقمية هي الفجوة او الهوة بين الذين بمقدورهم استخدام الأنترنت عن طريق امتلاكهم المهارة اللازمة والقدرة المادية و بين الذين لا يستطيعوا استخدام الأنترنت، نعطي مثال على ذلك على سبيل الحصر من خلال تجارب المحام المغربية فالمحكمة التجارية بمراكش كانت أول محكمة في المغرب قامت بتطبيق برنامجا إلكترونيا يمكن الشركات من حجز مواعيد خاصة بإيداع قوائمها التركيبية طبقا لمقتضيات المواد 95 و 108 و 110 من القانون رقم 5.96 والمادتين 158 و 388 وما يليها من القانون رقم 17.95، وأول موعد تم حجزه كان بتاريخ 15/ 05/2013 وللإشارة فقد أحرزت وزارة العدل والحريات، يوم الخميس 12 نونبر 2015 ، جائزتين حول الإدارة الإلكترونية وذلك في إطار الدورة التاسعة للجائزة الوطنية للإدارة الإلكترونية التي تنظمها وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة و هو نفس النهج الذي سارت عليه المحكمة التجارية بطنجة من خلال تجربة استخراج السجل التجاري الكترونيا و في نفس السياق ايضا و في اطار تفعيل التقاضي عن بعد و ما فرضته ظروف جائحة كرونا من ضرورة التباعد الاجتماعي فقد دشنت المحكمة الابتدائية الاجتماعية بالدار البيضاء نظام الجلسة الرقمية لأول مرة في تاريخ المغرب و قد لقيت استحسان أسرة العدالة تبعتها بعد ذلك العديد من المحاكم ومن بينها المحكمة الابتدائية بالقصر الكبير ،هذه التجربة تعد من بين اهم المشاريع التي تعمل وزارة العدل على تنزيلها.

لكن على الرغم من هذه المجهودات الضخمة، نجد في المقابل ان بعض المحاكم الاخرى لا تتوفر على شبكة الربط بالأنترنيت و بعض التجهيزات الضرورية الاخرى لمواكبة هذا التحول الرقمي حتى ان اطر الادارة القضائية يعملون في ظروف صعبة لا تمكنهم من مسايرة الركب، و هو الامر الذي يكرس الفجوة الرقمية سواء بين المحاكم نفسها او بين العاملين بها سواء قضاة او موظفين او محامين و مفوضين او خبراء....، و بالمقارنة مع بعض التجارب الرائدة في هذا المجال خصوصا التجربة الفرنسية ،فقد تم احداث شبكة المحامين الخاصة الافتراضية (RPVA) وهي عبارة عن شبكة للحاسوب آمنة تتيح تبادل الإجراءات المدنية والجنائية بين المحامين والمحاكم، ويتم تأمين المعلومات عبر مفتاح سري يحصل عليه المحامي المشترك في الخدمة، وكذا ضمان موثوقية هذه التعاملات عبر التوقيع الإلكتروني المؤمن وشهادات المصادقة الإلكترونية، هذه التجربة الرائدة يمكن الاستفادة منها لتجويد و تطوير عمل المحامين و كسب الجهد و تسريع وثيرة الاجراءات و عدم هدر الزمن القضائي، فبالرغم من المجهودات المبذولة من طرف وزارة العدل من خلال العديد من البوابات الالكترونية القضائية و البرامج المعلوماتية ذات الصلة و كذا التجهيزات الحديثة، الا ان عملية ادماج الانظمة المعلوماتية في قطاع العدالة اكثر تعقيدا مما كان متوقعا ، نظرا لكثرة الإجراءات والمساطر وتعقدها في المحاكم التقليدية، كما أن تطوير وتطبيق المحكمة الرقمية سيتبعه بالضرورة تعديل وتغيير وتطويع بعض المعايير والأنظمة والقوانين التي تؤطر الممارسات القضائية بين الفاعلين الأساسين في ميدان العدل، وهذا ما اشارت اليه بعد الدراسات الامريكية في هذا الصدد ، و لعل الانطلاقة الحقيقة للمحكمة الرقمية تبقى رهينة بالمصادقة على مشاريع القوانين و المراسيم و المناشير المنظمة لها و دخولها حيز التنفيذ ، كما الاستثمار في العنصر البشري و دعم التكوين المستمر في مجال الانظمة المعلوماتية و شبكات الانترنيت قد يساهم بدوره في تهيئ أطر ادارية و تقنية قادرت على تقديم الخدمة القضائية في احسن جودة و بأسرع وقت و اقل تكلفة.

الى ذلك الحين يبقى كاتب الضبط الالكتروني و معه الادارة القضائية الالكترونية و باقي المتدخلين في قطاع العدل يتخبطون بين المحكمة الورقية و الرقمية في انتظار الحسم القانوني و الرقمي و انهاء المرحلة الورقية و الانتقال نحو المحكمة الرقمية بكل ثقة.

TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *