-->

الآثار القانونية لجائحة كورونا على الالتزامات التعاقدية

الآثار القانونية لجائحة كورونا على الالتزامات التعاقدية

هند الترابي

طالبة باحثة في  القانون  خاص٬ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة.

 

مقدمة:

شهد المغرب على غرار باقي الدول أزمة وبائية حادة٬ بسبب تفشي وباء فيروس كورونا والذي تم الإعلان عنه لأول مرة في مدينة "ووهان" الصينية خلال دجنبر 2019٬الشيء الذي أثر بشكل كبير على مختلف مناحي الحياة الإقتصادية والإجتماعية والصحة العمومية للمواطنين خاصة بعدما أقرت المنظمة العالمية للصحة بتاريخ 11 مارس 2020 أنه جائحة وحادث استثنائي اجتاح مختلف دول العالم٬ كما أعلنت هذه المنظمة بتاريخ 30 يناير 2020 أن عدد الإصابات شكلت حالة طوارئ صحية عامة تثير القلق الدولي٬ ودعت إلى اتخاذ التدابير التي من شأنها الحد من استفحال هذا الوباء من بينها إقرار قانون الطوارئ ووقف الآجال القانوني للتخفيف من الاثار الكبيرة التي انعكست على التجارة الدولية وحركة التموين والامداد والتوزيع وأثرت على دينامية الأعمال والتشغيل[1].

فبالرجوع إلى التشريع المغربي وخاصة القانون رقم 34.09 المتعلق بالمنظومة الصحية وبعرض العلاجات٬ نجده ينص على أن الحكومة المغربية يقع على عاتقها حفظ الصحة العامة٬ بحيث يجب عليها أن تتخذ مجموعة من التدابير القانونية ذات الطابع الوقائي[2]٬ وهذا ما قامت به الدولة المغربية من خلال إعلان حالة الطوارئ الخاصة بمواجهة فيروس كورونا٬وذلك بقيام السلطة التنفيذية في إطار الإختصاصات المخولة لها بموجب الفصل 81 من الدستور المغربي لسنة 2011٬ بإصدار مرسوم بقانون رقم 2.20.292 صادر في 28 من رجب 1441(23 مارس 2020) والذي يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها٬ حيث ينص الفصل المذكور أعلاه على أنه يمكن للحكومة أن تصدر خلال الفترات الفاصلة بين الدورات وباتفاق مع اللجان التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين٬ مراسيم قوانين يجب عرضها على البرلمان بقصد المصادقة عليها ٬ خلال دوراته العادية الموالية٬ وبالتالي فقد تم الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء تراب الوطن بموجب مرسوم رقم 2.20.293 صادر في 29 من رجب 1441(24 مارس 2020).

كما قامت وزارة الداخلية بإصدار مجموعة من الدوريات والبلاغات تماشيا مع التدابير الاحترازية المتخذة لمواجهة الوضع الاستثنائي المتعلق بخطر تفشي وباء فيروس كورونا المستجد على مستوى التراب الوطني تحت طائلة العقوبات المقررة في المادة 4 من مرسم بقانون رقم: 2.20.292 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ.

ويعد الإهتمام بالعقود من أهم ما سعى إلى تنظيمه المشرع في مختلف الدول حيث أصبحت العقود أهم وسائل لإحداث الإلتزامات التعاقدية سواء بين الأفراد أو الدول لدرجة أن تطور هذا البنيان القانوني وانتقل من دائرة الإلتزامات التعاقدية الوطنية إلى دائرة الإلتزامات الدولية[3]٬ كما يعد العقد من أهم مصادر الإلتزام في التعاملات اليومية بحيث يكتسي أهمية كبيرة على مستوى العلاقات بين الأفراد من خلال ضمان حقوق كل من المتعاقدين.

وأمام الوضع المضطرب الذي أصبحنا نعيشه اليوم ٬بالإضافة إلى التدابير والإجراءات المتخذة من طرف الدولة للتصدي ضد تفشي وباء فيروس كورونا ٬كل هذا كان له تأثير بالغ على الوضعية القانونية والاقتصادية والاجتماعية للدولة٬ الشيء الذي أدى إلى توقف مجموعة من الأنشطة مما أثر بشكل كبير على العلاقة التعاقدية القائمة بين المتعاقدين٬ بحيث أصبح عسيرا إن لم نقل مستحيل على المدين الوفاء بدينه. وفي هذا السياق تطرح لنا إشكالية عن مدى تأثير الإجراءات والتدابير المتخذة من طرف الدولة في ظل الجائحة على الإلتزامات التعاقدية بين كافة أطياف المجتمع خاصة فيما يتعلق بعقود الشغل وعقود الكراء التجاري؟

وعليه سنحاول بصدد الإجابة عن هذه الإشكالية دراسة ذلك وفق نقطتين:

أولا: الطبيعة القانونية لجائحة كورونا ووسائل تدبيرها

ثانيا: تجليات آثار جائحة كورونا على الإلتزامات التعاقدية

أولا: الطبيعة القانونية لجائحة كورونا ووسائل تدبيرها

مع ظهور وباء كورونا المستجد ظهر مصطلح للتعبير عنه٬ وهو مصطلح الجائحة الذي يعتبر في صيغته العامة مدلول بسيط٬ إلا أن منطقه وأبعاده تحمل في طياتها دلالات عميقة وثقيلة٬ هذا الوباء الذي أثر بشكل كبير على الإستقرار الدولي بشكل عام والإستقرار الوطني بشكل خاص و الذي نتج عنه نوع من الشلل والركود الإقتصادي٬ كما خلف هذا الوباء مجموعة الآثار الوخيمة على الصحة العامة للمواطنين خصوصا في ظل عدم وجود حلول طبية تجاه هذا المرض (المطلب الاول)٬ وهذا ما أدى بالدولة المغربية على غرار باقي الدول إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات و التدابير الإحترازية للتصدي ضد فيروس  كورونا حيث عملت السلطات العمومية بالمغرب على اتخاذ مجموعة من التدابير ذات طابع استباقي في إطار الحرص على الأمن الصحي للمواطنين والمواطنات لعل أبرزها يتجلـى في فرض حالة الطوارئ الصحية وذلك بموجب مرسوم بقانون رقم 2.20.292 صادر في 28 من رجب 1441 (23 مارس 2020)( المطلب الثاني).

الفقرة الاولى: مفهوم الجائحة وتداعياتها

تختلف التعاريف لفهم طبيعة الحالة الوبائية بحيث لابد من الوقوف في هذا الاطارعلى مجموعة من المصطلحات والتي تشير إلى درجة انتشار المرض وأثره على الوضع العام٬ وعليه فقد كان يعتبر فيروس كورونا بداية وباء قبل أن يطلق عليه بالجائحة٬ فالوباء يعرف بأنه تفش في منطقة جغرافية أكبر٬ قد تكون محصورة في دولة واحدة أو عدد قليل من الدول كما هو الوضع الحالي بسبب فيروس كورونا٬ حيث تحول من مستوى التفشي المحلي في "ووهان" إلى مستوى الوباء في مساحة جغرافية كبيرة شملت الصين في البداية[4]٬ أما الجائحة هي امتداد لذلك الوباء وعدم انحصاره في دولة واحدة.

إلا أنه وبعد تفشي هذا الوباء المستجد في أغلب دول العالم٬ صرحت منظمة الصحة العالمية بأن هذا الفيروس المستجد أصبح جائحة مما يعد هذا التصريح بمثابة إقرار صريح على انتشار هذا الفيروس في كل أرجاء العالم٬ وفي هذا الإطار يشير البعض إلى أن مصطلح الجائحة يعني أيضا أن المرض يتحدى السيطرة مما يفسر انتشاره دوليا وعدم انحصاره في دولة واحدة [5]٬ كما يشير تعريف الجائحة إلى جانب سياسي عبر إيصال رسالة إلى الحكومات والمنظمات في جميع أنحاء العالم٬ بأن المرض أصبحت له تداعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية على نطاق عالمي[6]٬ كما أوضحت الأستاذة "ماري لويز ماكلاو" خبيرة مكافحة العدوى التي عملت كمستشارة لمنظمة الصحة العالمية٬ أن إعلان منظمة الصحة العالمية لفيروس كورونا الجديد٬ بالجائحة سيكون بمثابة دفع إلى أخد الأمر بجدية وعدم تجاهل الأعراض٬ والحصول على الموارد اللازمة للمساعدة في التعامل والسيطرة عليها[7]

وعليه فالفرق بين الجائحة (pandémic) والوباء (epidemic) يكمن في أن الأول سريع الإنتشار وقد يصيب منطقة محلية معينة٬ إلا أنه واستثناء قد يمتد إلى بعض المناطق الأخرى٬ بينما الجائحة تدل على المرض الذي ينتشر انتشارا واسعا على صعيد بلد ما أو حتى على الصعيد العالمي كما هو الوضع الآن بسبب فيروس كورونا مما يشير إلى أن الجائحة لها علاقة بالإنتشار الجغرافي وليس بخطورة المرض. وفي هذا الإطار أشار الدكتور"اندريس روميرو" المختص في علم الأمراض المعدية في مركز "سانت جون" الصحي في سانتا مونبك في كاليفورنيا٬ أن الجائحة تؤثر على عدد كبير وعادة ما تكون بسبب فيروس جديد أو فيروس غير مألوف٬ ومما يزيد خطورة الوضع هو أن الجائحات عادة ما تكون سببا لحدوث المشاكل المجتمعية والأمنية بالإضافة للخسائر الاقتصادية والتسبب في الكثير من الوفيات[8].

وبالتالي يترتب عن الجائحة مجموعة من الآثار الوخيمة والسلبية سواء على المستوى الإقتصادي٬ الإجتماعي أو حتى في مجال الصحة العمومية...كما هو الحال الآن بسبب فيروس كورونا المستجد حيث ظل هذا الأخير يهدد بالدرجة الأولى الصحة العالمية والأمن الصحي٬ وبالنتيجة تهديد أسمى حق وهو الحق في الحياة٬ بيد أن منظمة الصحة العالمية بتاريخ 11 مارس 2020أقرت بأن فروس كورونا فيروس خطير وبات وباء عالميا. كما أعلنت منظمة الصحة العالمية بتاريخ 20 يناير 2020 أن عدد الإصابات شكلت حالة طوارئ صحية عامة تثير القلق الدولي[9]٬الشيء الذي أثر بشكل كبير على مجموعة من المعاملات الشغلية وعلى المجال الشغلي بصفة عامة٬ حيث قدمت منظمة العمل الدولية تقييما مبدئيا لتداعيات جائحة فيروس كورونا على واقع التشغيل ٬اعتبرت فيه أن سوق الشغل حول العالم مرشح لفقدان أزيد من 25 مليون وظيفة نتيجة تفشي فيروس كورونا٬ وذكرت أن فقدان الوظائف سيدفع ملايين الناس إلى البطالة والعمالة الناقصة والفقر[10]. هذا الوباء أيضا تسبب في توقف مجموعة من المقاولات عن العمل الشيء الذي أدى إلى حدوث شلل اقتصادي٬ كما قد يؤثرهذا التوقف على الإلتزامات التعاقدية لمختلف المتعاملين مع هذه المقاولات. وقد اضطر هذا الوضع الوبائي مجموعة من الأشخاص إلى توقيف أنشطتهم٬ الأمر الذي تولد عنه مجموعة من المشاكل الإجتماعية و الإقتصادية التي أترث إما بشكل مباشر أو غير مباشر على الفرد عينه أو على الدولة عامة...كل هذه الآثار والتداعيات فرضت على مجموعة من الدول من بينها المغرب اتخاد مجموعة من الإجراءات الوقائية للتخفيف من حدة آثار هذا الوباء.

الفقرة الثانية: الأسس القانونية المؤطرة لتدبير جائحة كورونا

في ظل الإجراءات والتدابير الإحترازية المتخذة من قبل الدولة لمواجهة الوضع الإستثنائي٬ للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد أو ما يصطلح عليه علميا ب كوفيد -19 ٬وتحت غاية ضمان الأمن الصحي للمواطنين والمواطنات٬تم الإعلان عن حالة الطوارئ بسائر أرجاء التراب الوطني  وذلك بموجب مرسوم بقانون رقم 2.20.292 صادر في 28 من رجب 1441 (23 مارس 2020) بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر٬ الذي يضم مجموعة من الأحكام الخاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها٬الصادر عن السلطة التنفيذية في إطار الإختصاصات المخولة لها بموجب الفصل 81 من الدستور المغربي لسنة 2011 والذي ينص على أنه:" يمكن للحكومة أن تصدر خلال الفترة الفاصلة بين الدورات وباتفاق مع اللجان التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين٬ مراسيم قوانين٬ يجب عرضها بقصد المصادقة عليها من طرف البرلمان٬ خلال دورته العادية الموالية".

 وبقراءة هذا المرسوم نجده قد جاء بمجموعة من المقتضيات الزجرية الواجبة التطبيق والتي من شأنها إعطاء القوة الإلزامية لفرض حالة الطوارئ في حالة خرق مقتضياته وهذا ما تكرسه المادة الرابعة من المرسوم المتعلق بحالة الطوارئ حيث ينص على أنه: " يجب على كل شخص يوجد في منطقة من المناطق التي أعلنت فيها حالة الطوارئ الصحية التقيد بالأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية المشار إليها في المادة الثالثة[11] أعلاه..."

ومن بين هذه المقتضيات نجد تقييد تحركات المواطنين المواطنات إلا في حالة وجود رخصة استثنائية للتنقل تسلمها السلطات المحلية لضرورات محددة وفي أوقات محددة٬ وفي حالة مخالفة الأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية فإنه يتم فرض عقوبات تتمثل في الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 الى 1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط٬ وهو ما كرسته الفقرة الثانية من المادة الرابعة من هذا المرسوم٬ وقد نصت نفس المادة على هذه العقوبات دون أن يتم الإخلال بالعقوبة الجنائية الأشد٬ ما يفيد أنه في حالة وجود عقوبات جنائية أشد في قوانين أخرى فإنه يتم تطبيق هذه العقوبات٬ كماهو الشأن مثلا في حالة اقتران خرق الطوارئ الصحية بإهانة الموظفين العموميين أو في حالة اقترانها بحالات العنف والإيذاء للموظفين العموميين أو رؤساء أو رجال القوة العامة...

بالإضافة إلى المرسوم المتعلق بحالة الطوارئ كانت هناك مجموعة من الدوريات والبلاغات ذات الصلة بالموضوع نذكر منها على سبيل المثال بلاغ لوزارة الداخلية لعموم المواطنين بتاريخ: 14/03/2020 بشأن منع التجمعات العامة التي يزيد عدد أفرادها عن 50 شخص ويستثنى من هذا البلاغ الأشخاص الفاعلين الاقتصاديين الخواص ومستخدميهم٬ كما كان هناك بلاغ آخر لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتاريخ: 16/03/2020 بشان إغلاق المساجد٬ إضافة إلى بلاغ آخرصادر عن  وزارة الداخلية لعموم المواطنين بشأن توزيع الرخص بمنازل المواطنين والمواطنات بتاريخ 20/03/2020 ٬ وبلاغ آخر يهم مجال النقل للمكتب الوطني للسكك الحديدية لعموم المواطنين بتاريخ: 21 مارس 2020 بشأن توقيف جميع قطارات الخطوط وتأمين الحد الأدنى من قطارات القرب إبتداء من منتصف ليلة السبت 21 مارس 2020... إذ يتعين احترام هذه الإجراءات والتدابير تحت طائلة العقوبات السالفة الذكر أعلاه.

ثانيا: تجليات الاثار القانونية لجائحة كورونا على الالتزامات التعاقدية

من المعلوم أن المبدأ العام في الإلتزامات هو أن العقد شريعة المتعاقدين٬ وهذا ما نص عليه المشرع في إطارالفصل 230 من قانون الإلتزامات والعقود والذي جاء فيه:" الإلتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها٬ ولا يجوز إلغاءها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون"٬ويستفاد من هذا النص أن إبرام العقد يحكمه مبدأ مهم يتمثل في مبدأ سلطان الإرادة٬إذ لا يمكن وفقا لهذا المبدأ لأي طرف أن يلغي أو يعدل العقد دون رضا الطرف الآخر٬ لذلك اعتبر المشرع هذا الإلتزام كونه يرقى إلى مرتبة قانون تحكم الأطراف المتعاقدة٬ وبمعنى أكثر فان ما اتفق عليه الأطراف في العقد يجب أن يلتزمون به ولا يجوز الرجوع عنه إلا بتوافق إرادتهم أو إذا أقر القانون ذلك[12]. إلا أن هناك بعض الاستثناءات حيث قد تقع على هذا المبدأ حينما تطرأ ظروف تجعل من تنفيذ هذا العقد امرا صعبا أو مستحيلا٬وبالتالي تضيق هذه الظروف من اتساع مبدأ الإرادة الحرة للمتعاقدين. وبما أن معظم دول العالم قد اعتبرت جائحة كورونا في متن خطاباتها بمثابة قوة قاهرة حيث نجد في هذا الإطار وزير الإقتصاد والمالية الفرنسي Bruno le Maire  قد نحى نفس التوجه  لتبرير عدم تطبيق غرامات التأخير ضدها٬ والتعويضات في حالة عدم الالتزام بتنفيذ العقود٬ وما غيرها من الالتزامات تجاه المؤسسات[13]. وعليه٬ أمام هذه الظروف قد يستعصي على المدين الوفاء بالدين في الأجل المتفق عليه٬خاصة أن هذه الجائحة قد عرقلت سير واستمرار مجموعة من القطاعات والمؤسسات وأثرت على مجموعة من الالتزامات والمعاملات سواء في المجال الإقتصادي أو في مجال الشغل أو في مجال السياحة... وبالنظر لتعدد مجالات تأثير فيروس كورنا المستجد على الالتزامات التعاقدية سنقتصر في هذا المبحث على عقدين اثنين: عقود الشغل (المطلب الاول) وعقد الكراء التجاري (المطلب الثاني).

الفقرة الاولى: عقد الشغل نموذجا

لقد أحاط المشرع عقد الشغل عند انتهائه بمجموعة من الضمانات٬إذ لا يمكن لطرفي العلاقة الشغلية إنهاءه إلا بناء على أسباب معينة مبنية على شكليات قانونية خاصة٬ نذكر منها حالة القوة القاهرة كسبب مبرر لإنهاء هذه العلاقة.[14] وفي هذا السياق نجد على أن المشرع عرف حالة القوة القاهرة (un cas de force majeure)في إطار قانون الإلتزامات والعقود من خلال الفصل 269 على أنه:" القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه٬ كالظواهر الطبيعية (الفيضانات٬ الجفاف٬ العواصف والحرائق والجراد ) وغارات العدو وفعل السلطة٬ ويكون من شإنه إن يجعل تنفيذ الإلتزأم مستحيلا.

ولا يعتبر من قبيل القوة القاهرة الأمر الذي كان يمكن دفعه٬ مالم يقم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه.

وكذلك لا يعتبر من قبيل القوة القاهرة السبب الذي ينتج عن خطا سابق للمدين."

نستخلص من خلال هذا الفصل على أن فيروس كورونا مستجمع لشروط القوة القاهرة والتي نص عليها المشرع بشكل ضمني٬ بحيث أن هذا الوباء كان غير متوقع ولم يكن في الحسبان حصوله إضافة إلى أنه من الأمور التي لايمكن دفعها مما يؤدي إلى الاستحالة في تنفيذ العقد٬ كما أنه لا وجود لخطأ من جانب المدين على اعتبار أن هذه الجائحة حصلت فوق كل طاقة البشر. وعليه يمكن اعتبارأن جائحة كورونا تدخل في إطار القوة القاهرة كما أقرت بذلك منظمة الصحة العالمية.

وبالتالي في ظل هذا الوضع الوبائي الذي يمر منه العالم قامت مجموعة من المقاولات بالإغلاق أو التوقف عن العمل مما أدى إلى حدوث شلل اقتصادي أثر بشكل كبير على الإلتزامات التعاقدية بين المشغل والأجير.

بالرجوع إلى الترسانة القانونية المنظمة لمجال الشغل وبالضبط الفقرة الثانية من المادة 185 من مدونة الشغل المغربية نجدها تنص على أنه:"... لا يترتب عن هذا الإجراء أي تخفيض من الأجر الشهري ويمكن للمشغل بعد استشارة مندوبي الأجراء والممثلين النقابيين بالمقاولة عند وجودهم٬ أن يقلص من مدة الشغل العادية ولفترة متصلة أو منفصلة لا تتجاوز ستين يوما في السنة٬ وذلك عند حدوث أزمة اقتصادية عابرة لمقاولته أو لظروف طارئة خارجة عن إرادته..." وبقراءتنا لهذه الفقرة نجد على أنه يمكن اعتبار فيروس كورونا بمثابة قوة قاهرة وظرف طارئ لا يد للمشغل فيه على أساس أنه لا يمكن دفع الضرر الناتج عن هذا الوباء وبالتالي يمكن للمشغل في هذا الإطار أن يقلص من مدة الشغل لفترة محددة قانونا٬ إلا انه برجوعنا للمادة 32 من مدونة الشغل نجد على أن القوة القاهرة ليست سببا للتوقيف المؤقت لعقد الشغل على اعتبار انه في بعض الحالات كما وقع في مجموعة من الدول من بينها المغرب تقوم بعض المقاولات بالتوقف لمدة مؤقتة وذلك يدخل في إطار الحفاظ على صحة وسلامة الأجراء وبالتالي يمكن أن يتم التوقف المؤقت مادام أن الأمر فيه مصلحة للأجير بالدرجة الأولى٬ لكن في نفس السياق نجد على ان المشرع حماية للأجير اعتبر على أن هذا التوقف المؤقت هو بمثابة مدة شغل فعلية وهو ما نصت عليه المادة 54 من مدونة الشغل على أنه:" تدخل ضمن مدة الشغل الفعلي٬ ما يلي:...4ـ مدة توقف عقد الشغل٬ ولا سيما أثناء تغيب المأذون به٬ أو بسبب المرض الغير الناتج عن حادثة شغل أو المرض المهني٬ أو بسبب إغلاق المقاولة مؤقتا بموجب قرار إداري٬ أو بفعل القوة القاهرة." وفي إطار الحماية القانونية للأجير تراعى فترات التغيب بسبب القوة القاهرة عند احتساب العطلة السنوية المؤدى عنها وهذا ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 239 من مدونة الشغل المغربية٬ كما نجد على أن الأجير يعفى من إشعار مشغله خلال الثمانية والأربعين ساعة الموالية لذلك في حالة إذا تعذر عليه الالتحاق بشغله بسبب المرض أو حادثة وحالت قوة قاهرة دون اخطاره وهذا ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 271 من مدونة الشغل.

وأمام الركود والشلل الإقتصادي الذي قد يحدث بفعل حالة القوة كما هو الشأن الآن بالنسبة لفيروس كورونا فإن المشرع قد خول للمشغل بمقتضى المادة 175 من مدونة الشغل المغربية أن يعمل على تشغيل جميع أصناف الأجراء بما فيهم النساء والأطفال المستثنون وذلك لمواجهة الخسائر المادية ذات طابع اجتماعي واقتصادي والتي قد تخلفها الجائحة وفي حدود ما ضاع من أيام الشغل بشرط أن يشعر المشغل مسبقا العون المكلف بتفتيش الشغل.

وصفوة القول على أن المشرع جاء بمجموعة من المقتضيات التي تتلاءم والوضعية الحالية بسبب فيروس كورونا حيث نجد على أن هذه المقتضيات قد تكون إلى حد ما سببا في التخفيف من الآثار السلبية التي قد تضر بطرفي العلاقة الشغلية خصوصا الأجير باعتباره الحلقة الضعيفة في هذا الإطار.

الفقرة الثانية:عقد الكراء التجاري

إلى جانب تأثير الإجراءات والتدابير الاحترازية المتخذة من طرف الدولة في ظل جائحة كورونا المستجد على علاقات الشغل٬كان بالمقابل تأثيرها بليغا على مستوى علاقات الكراء سواء منها السكنية أوالمهنية أوالتجارية٬التي تضررت بفعل القرارات والأوامر التي أصدرتها السلطات العمومية كإغلاق المقاهي والمطاعم وبعض المحلات التجارية الأخرى٬ الشيء الذي أثر بشكل كبير على العلاقة التعاقدية ما بين طرفي عقد الكراء بصفة عامة والكراء التجاري بصفة خاصة والذي سيكون موضوع حديثنا في هذا المطلب.

بالرجوع للترسانة القانونية المنظمة للمجال التجاري وبالرجوع للقانون رقم 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للإستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي٬ نجد على أن المشرع تحدث عن حالة مطل المدين والذي عرفه في إطار قانون الالتزامات والعقود من خلال الفصل 254:"بأنه يكون المدين في حالة مطل٬ إذا تأخر عن تنفيذ التزامه ٬ كليا أو جزئيا من غير سبب معقول". معنى ذلك أن المدين في حالة تماطله عن أداء دينه بدون مبرر معقول يعتبر في حالة مطل٬ ونتيجة لذلك يجوز للدائن حسب الفصل 259 إجباره عن تنفيذ إلتزامه مادام تنفيذه ممكنا٬ أما اذا لم يكن كذلك جاز للدائن أن يطلب فسخ العقد وله الحق أن يطلب التعويض في الحالتين٬ وانسجاما مع هذه المقتضيات نجد أن الفصل 692 من قانون الالتزامات والعقود ينص على أنه في حالة عدم أداء مبلغ الكراء في الأجل المتفق عليه من طرف المكتري فإنه يحق للمكري أن يقوم بفسخ العقد مع حفظ حقه في التعويض إن اقتضى الحال٬ وهذا ما قد يجعل بعض المكرين سيئي النية يعمدون على استغلال هذه الظرفية الحساسة و الراهنة من أجل المطالبة بالفسخ أو الإفراغ.

الأمر الذي يجعلنا أمام غياب نص تشريعي خاص بحالة صعوبة تنفيذ العقد أو استحالة تنفيذه٬واعتبارا للقاعدة التي تقتضي أن العام يبقى على عموميته إلى أن يأتي النص الخاص الأولى بالتطبيق٬ فالوضعية الحالية تقتضي العكس أي تطبيق النص العام بسبب عدم وجود نص خاص مؤطر للوضعية الحالية.

وأمام الإشكالات التي عمقها هذا الفراغ التشريعي جاءت مطالبات بعض الفئات الحقوقية لتجاوز ما اعترى النص من نقص وإيجاد حلول لتصحيح الوضع حفاظا على مصالح المتضررين٬ في نفس السياق وجدنا بعض الفرق النيابية بمجلس النواب قد تقدمت بمقترحي قانون بالنظر للوضعية الصعبة التي تعيشها بلادنا٬ يرمي المقترح الأول إلى تعديل المادة الثامنة من القانون 49.16 المتعلق بكراء عقارات أو المحلات المخصصة للإستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي وذلك بعدم اعتبار المبالغ الكرائية العالقة بذمة المكترين طيلة فترة حالة الطوارئ الصحية تماطلا موجبا للإفراغ بل هي مجرد دين عادي يستوفى بالمساطر القانونية الجاري بها العمل٬ أما المقترح الثاني فيرمي  إلى تعديل القانون رقم 67.12 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو الإستعمال المهني وذلك بإضافة مادة جديد للباب الرابع منه ـ المادة 30 مكررـ بالشكل  التي تعد معه المبالغ المالية العالقة بذمة المكتري عن الفترة المتعلقة بحالة الطوارئ الصحية دينا عاديا يستوفى بالمساطر القانونية المعمول بها دون اعتبار ذلك تماطلا موجبا للإفراغ ودون تعويض٬ حيث تنص المادة 30 مكرر على ما يلي:" استثناء من أي مقتضيات مخالفة تعد المبالغ الكرائية العالقة بذمة المكتري عن الفترة المتعلقة بحالة الطوارئ دينا عاديا يستوفى بالمساطر القانونية المعمول بها دون اعتبار ذلك تماطلا موجبا للإفراغ دون تعويض”.

ويهدف المشرع من خلال تفاعله مع بعض المقتضيات المجتمعية إلى إذكاء مبدأ التضامن بين المواطنين والمواطنات وحرصه على المبادئ الدستورية كمبدأ الحفاظ على السلامة الصحية وتحمل الأعباء الناتجة عن فرض حالة الطوارئ الصحية طبقا لما نص عليه الدستور المغربي لسنة 2011 في الفصل 40:" على الجميع أن يتحمل بصفة تضامنية٬ وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها٬ التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد٬ وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد".

خاتمة:

ختاما يمكن القول على أن هذه الوضعية الوبائية الحادة التي يعيشها العالم بأسره والمغرب بشكل خاص٬  أدت إلى اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات الاحترازية اللازمة لمواجهة خطر تفشي وباء فيروس كورونا٬ مما أثر بشكل مباشر وغير مباشر على العلاقات التعاقدية في مختلف المجالات وبالتالي التأثير على الإرادة الحرة للمتعاقدين٬الشيء الذي قد يترتب عنه تغير في المراكز القانونية وطرح مجموعة من التساؤلات والإشكالات أمام القضاء مستقبلا بعد زوال هذه الجائحة باعتباره الجهاز الذي يلعب دورا مهما فيما يتعلق بحماية الأفراد نظرا لهذه الظروف الإستثنائية في إطار الآثار المستقبلية لهذه الجائحة خصوصا فيما يتعلق بالعلاقات التعاقدية التي تتضمن  فراغا تشريعيا٬ليبقى السؤال المطروح هو ما مستقبل المنظومة التشريعية المتعلقة بالإلتزامات التعاقدية في ظل تداعيات فيروس كورونا على المستوى التشريعي والقضائي معا؟

 

 

 

 

 

 

 



عبد المهيمن حمزة: تأجيل أقساط قروض السكن والاستهلاك بسبب فقدان الدخل على أثر جائحة كورونا٬ مقال منشور في مجلة الدولة والقانون في زمن جائحة كورونا٬ ص:347.[1]

 المواد 4 و7 و8 من القانون 34.09 المتعلق بالمنظومة الصحية وبعرض العلاجات[2]

امينة رضوان٬ المصطفى الفوركي٬ تأثير فيروس كورونا على الالتزامات التعاقدية٬ مقال منشور في مجلة الدولة والقانون في زمن جائحة كورونا٬ ص: 273.[3]

أسامة أبو الرب٬ كورونا جائحة...وصف غريب ومرعب فهل حان وقت الهلع ٬نشرفي موقع الجزبرة بتاريخ 11/3/2020[4]

 أسامة أبو الرب٬ م.س.[5]

 أسامة أبو الرب٬ م.س.[6]

بتاريخ 26/2/2020.arabicذي غارديان٬ ماذا لو أعلنت منظمة الصحة العالمية دخول فيروس كورونا مرحلة الجائحة؟ نشر بموقع [7]

 حسام جنيدي٬ مالفرق بين الوباء والجائحة٬موقع العلوم للعموم تم نشره في 18 مارس 2020. [8]

عبد المهيمن حمزة٬ م.س ٬ ص:347[9]

 عبد المهيمن حمزة٬ م.س٬ص:347[10]

 تنص المادة الثالثة من المرسوم المتعلق بحالة الطوارئ على ما يلي:" على الرغم من جميع الاحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل٬ تقوم الحكومة خلال فترة اعلان حالة الطوارئ باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تفتضيها هذه الحالة٬ وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية او بواسطة مناشير او بلاغات٬ من اجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض٬ وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية الأشخاص وضمان سلامتهم.

لا تحول التدابير المتخذة المذكورة دون ضمان استمرارية المرافق العمومية وتامين الخدمات التي نقدمها للمرتفقين"[11]

امينة رضوان٬ المصطفى الفوركي٬ ثاثير٬ م.س٬ ص:274 .[12]

 سعيد اشتاتو٬ سامي عينيبة٬" فيروس كورونا ازمة صحية ام قوة قاهرة" مقال منشور في مجلة الدولة والقانون في زمن جائحة كورونا٬ ص:306.[13]

 امينة رضوان٬ مدى مساهمة فيروس كورونا في انهاء العلاقة الشغلية٬ مقال منشور في مجلة الباحث للدراسات والأبحاث القانونية والقضائية٬ ص:10.[14]



TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *