-->

حالة الطوارئ الصحية وحقوق الإنسان

حالة الطوارئ الصحية وحقوق الإنسان

الحسن الكريمي

طالب بسلك الدكتوراه

مختبر الدراسات الفقهية والقضائية وحقوق الإنسان

كلية الشريعة بفاس.

تُعرف حالة الطوارئ عموما بأنها ظرف استثنائي غير عاد، تفرضها الدولة عندما يتهدد أمنها الداخلي ونظامها العام، نتيجة خطر حال وواقع بالفعل، كحالة حرب أو اضطرابات داخلية خطيرة أو انتشار وباء أو كوارث عامة، يجعل الدولة عاجزة عن مواجهته بقوانينها العادية، فتلجأ إلى اتخاذ إجراءات وقوانين استثنائية يترتب عنها تعطيل وتقييد بعض الحقوق والحريات.

“فحالة الطوارئ هي تدبير استثنائي لدفع الخطر الشديد الذي تتعرض له سلامة البلاد وأمنها، والذي لا يمكن للسلطة التنفيذية مواجهته بالتشريعات والإجراءات العادية“[1].

ولا شك أن وباء كورونا الناتج عن الفيروس التاجي المستجد – كوفيد 19 – الذي ظهر أولا في ولاية ووهان الصينية منتصف شهر دجنبر 2019، والذي عرف انتشارا واسعا وسريعا بسبب العدوى، في مختلف دول العالم[2]؛ يشكل تهديدا للصحة العامة، ويعد حالة من حالات الطوارئ الصحية.

في الثلاثين من يناير 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن تفشي الفيروس التاجي- كوفيد 19- “يصنّف كحالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً”، ثم ما لبثت أن أعلنت المنظمة ذاتها في 11 مارس 2020 أن هذا الفيروس  قد صار جائحة عالمية، داعية دول العالم إلى ضرورة مواجهته ومحاصرة انتشاره.

لذلك أعلنت العديد من دول العالم فرض حالة طوارئ صحية تروم بالأساس حماية الصحة العامة، والحد من انتشار هذا الوباء، رغم تعارضها مع العديد من الحقوق والحريات الأساسية.

 وبتاريخ 23 أبريل 2020 جاء في رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، فيما يتعلق بحقوق الإنسان في سياق التصدي لهذا الوباء: “إن جائحة كوفيد-19 ليست حالة من حالات الطوارئ في مجال الصحة العامة فحسب، بل هي أكثر من ذلك بكثير، إنها أزمة اقتصادية، وأزمة اجتماعية، وأزمة إنسانية أخذت تتحول بسرعة إلى أزمة لحقوق الإنسان”[3].

إن موضوع حالة الطوارئ الصحية المرتبطة بوباء كورونا، يطرح إشكالية جوهرية تتجلى في معرفة أساسها القانوني، ومدى احترام الإجراءات المتربة عنها لحقوق الأفراد وحرياتهم، خصوصا وأن هذا الوباء سرعان ما تحول إلى أزمة لحقوق الإنسان حسب تعبير الأمين العام للأمم المتحدة؛ بصيغة أخرى ما هو الأساس القانوني لحالة الطوارئ الصحية وما مدى احترامها لحريات الأفراد وحقوقهم؟

للإجابة عن هذه الإشكالية تم تقسيم الدراسة إلى محورين: يتناول الأول منهما الأساس القانوني لحالة الطوارئ الصحية؛ أما المحور الثاني فيتناول تأثير حالة الطوارئ الصحية على الحقوق والحريات.

المحور الأول: الأساس القانوني لحالة الطوارئ الصحية

تستمد حالة الطوارئ مشروعيتها من القانون الدولي من خلال عدة اتفاقيات دولية وإقليمية (الفقرة الأولى)، ومن التشريع الوطني الذي يتولى الإعلان عنها وإقرار الإجراءات الاستثنائية والتدابير اللازمة التي تتطلبها وفق ما تقتضيه المصلحة العامة (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى: حالة الطوارئ الصحية في القانون الدولي

       تولى القانون الدولي لحقوق الإنسان تنظيم أحكام حالة الطوارئ من خلال مجموعة من الاتفاقيات الدولية والإقليمية.

أولا: حالة الطوارئ الصحية في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان

إن حالة الطوارئ، بشكل عام، تجد مرجعيتها في العديد من مواثيق واتفاقيات القانون الدولي لحقوق الإنسان، خصوصا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[4] الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 دجنبر1966 ليدخل حيز التنفيذ في الثالث من شهر يناير 1976،  حيث نصت الفقرة الأولى من المادة الرابعة منه على ما يلي: “في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسـميا، يجـوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافـاة هـذه التـدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها علـى تمييـز يكون مبرره الوحيد هو العـرق أو اللـون أو الجـنس أو اللغـة أو الـدين أو الأصـل الاجتماعي“.

فقد أجازت هذه المادة للدول في الظروف الاستثنائية الإعلان رسميا وبشكل قانوني عن حالة الطوارئ، شريطة أن يحدد القانون بدقة الحالات التي يعلن فيها عن قيام حالة الطوارئ، والطابع الاستثنائي الذي يتسم به تعطيل الحقوق والحريات الذي ينبغي أن يقتصر على أضيق الحدود الزمانية والمكانية التي يتطلبها الوضع؛  كما يجب  أن يكون الغرض من إعلان حالة الطوارئ هو التمكن من العودة إلى الأوضاع الطبيعية، أي استعادة النظام السياسي إلى وضعه العادي الذي يمكن فيه ضمان حقوق الإنسان بالكامل مجددا، لذلك فإن الإعلان عن التدابير المرتبطة بحالة الطوارئ يشترط فيه ما يلي:

 أولا: وجود حالة عامة تهدد حياة الأمة وأن تكون الدولة الطرف قد أعلنت رسمياً حالة الطوارئ. ثانيا: أن تتقيد الدولة عند إعلانها حالة طوارئ، بالالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي 

كما نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[5] في الفقرة الثانية من المادة 29 على أنه: “لا يُخضع أي فرد في ممارسة حقوقه وحرياته، إلا للقيود التي يقرها القانون…“.

ثانيا: حالة الطوارئ الصحية في الاتفاقيات الإقليمية

بخصوص الاتفاقيات الإقليمية، فإن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان[6] لعام 1950 قد نصت على حالة الطورئ في الفقرة الأولى من المادة 15 التي ورد فيها على أنه: “في حالة الحرب أو الخطر العام الذي يهدد حياة الأمة، يجوز لكل طرف سام متعاقد أن يتخذ تدابير تخالف الالتزامات المنصوص عليها في هذا الميثاق في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، وبشرط أن لا تتناقض هذه التدابير مع بقية الالتزامات المنبثقة عن القانون الدولي“.

وأيضا الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لسنة 1969[7]، التي أكدت في مادتها 27 على أنه لا يمكن للدولة الطرف، في أوقات الحرب أو الخطر العام أو سواهما في الحالات الطارئة التي تهدد استقلال الدولة أو أمنها، أن تتخذ إجراءات تحد من التزاماتها بموجب الاتفاقية الحالية ولكن فقط بالقدر وخلال المدة التي تقضيها ضرورات الوضع الطارئ، شريطة أن لا تتعارض تلك الإجراءات مع التزاماتها الأخرى بمقتضى القانون الدولي، ولا تنطوي على تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.

كما أن الميثاق العربي لحقوق الإنسان[8] قد أكد في الفقرة الأولى من المادة الرابعة على أنه: “في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تهدد حياة الأمة والمعلن عن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا الميثاق أن تتخذ في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد فيها بالالتزامات المترتبة عنها بمقتضى هذا الميثاق“.

والملاحظ أن أغلب هذه المواد، عند تطرقها لحالة الطوارئ، إنما استندت في صياغتها إلى المادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية السالف الذكر.

فحالة الطوارئ إذن، هي تلك الحالة الاستثنائية الطارئة التي تبلغ من الخطورة ما يجعل حياة الأمة مهددة، وحالة الطوارئ الصحية من ضمنها، وهي مؤطرة  بنصوص من القانون الدولي والإقليمي التي تبين كيفية ممارستها بهدف إعادة الاستقرار للدولة وفق ما يضمن القدر اللازم من الحقوق والحريات للأفراد فيها.

الفقرة الثانية: حالة الطوارئ الصحية في القانون المغربي

أولا: حالة الطوارئ الصحية في الدستور المغربي

لا يوجد في الدستور المغربي لسنة 2011 ما يشير إلى حالة الطوارئ، غير أنه نص في الفصل 74 على حالة الحصار بعد التداول بشأنها في المجلس الوزاري، حيث يمكن للملك إعلان حالة الحصار بمقتضى ظهير يوقع بالعطف من طرف رئيس الحكومة، كما نص الدستور أيضا على حالة الاستثناء في الفصل 59.

ولم يسبق للمغرب أن أعلن عن حالة من هذا القبيل إلا مرة واحدة سنة 1965 في عهد الملك الراحل الحسن الثاني رحمة الله عليه، حيث أعلن حالة الاستثناء في فترة كانت فيها البلاد تجتاز أزمة حكم وسلطة تهدد بعدم الاستقرار.

وبما أن إعلان حالة الطوارئ الصحية غير مرتبط بالخطورة التي تهدد نطام الحكم واستقرار البلاد والسير العادي لمؤسساتها الدستورية، فإنها ليست بحالة استثناء ولا حالة حصار، لكنها مرتبطة بخطر يهدد الصحة العامة نتيجة تفشي جائحة كورونا، كما أنها لا تقيد بشكل شامل حقوق وحريات الأفراد.

 إعلان حالة الطوارئ الصحية بالمغرب يجد سنده في دستور المملكة الذي يأخذ بسمو الاتفاقيات الدولية على كل التشريعات الوطنية وفق ما جاء في تصديره[9]، بالإضافة إلى عدة مقتضيات دستورية أخرى، منها الفصل 90 الذي منح للحكومة سلطة تنظيمية وإدارية لفرض الإجراءات الحمائية الاستثنائية، وكذلك الفصل 81 الذي يخول لها صلاحية إصدار مراسيم قوانين باتفاق مع اللجان المعنية في كلا المجلسين إلى حين عرضها على البرلمان من أجل المصادق النهائية عليها.

  ثانيا: حالة الطوارئ الصحية في التشريع المغرب

إذا كانت حالة الطوارئ عموما، والصحية خصوصا، تستمد مشروعيتها من القانون الدولي لحقوق الإنسان أساسا، فإنه الطوارئ الصحية بالمغرب تستند زيادة على ذلك، إلى اللوائح الصحية الدولية، ذلك أن المغرب يعد عضوا في منظمة الصحة العالمية، فالحكومة ملتزمة بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.09.212 المتعلق بنشر اللوائح الصحية الدولية[10] (2005)، التي اعتمدتها جمعية الصحة العالمية في دورتها الثامنة والخمسين بتاريخ 23 ماي 2005.

أما على مستوى التشريع الوطني، فإنه بتاريخ 23 مارس 2020، صدر مرسوم بقانون 2.20.292[11]، وذلك في إطار التدابير المتخذة من طرف الحكومة، ويتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، ويخول  هذا المرسوم للحكومة أن تتخذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها الحالة، بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، أو بواسطة مناشير وبلاغات، ويمكن أن تكون هذه التدابير مخالِفة للأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل غير أنها لا تحول دون ضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية، وتأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين.

وقد خول هذا المرسوم بقانون الحكومة إعلان حالة الطوارئ الصحية عند الاقتضاء، وذلك بموجب مرسوم يحدد النطاق الزماني والمكاني لتطبيقه، والإجراءات المصاحبة له، بناء على اقتراح كل من وزير الداخلية ووزير الصحة، حيث نصت الفقرة الأولى من المادة الثانية منه على ما يلي: ” يعلن عن حالة الطوارئ الصحية عندما تقتضي الضرورة ذلك، طبقا لأحكام المادة الأولى أعلاه، بموجب مرسوم، يتخذ باقتراح مشترك للسلطتين الحكوميتين الملكلفتين بالداخلية والصحة، يحدد النطاق الترابي لتطبيقها، ومدة سريان مفعولها، والإجراءات الواجب اتخاذها”.

كما تضمن هذا المرسوم الإشارة إلى العقوبات التي تطال المخالفين للأحكام حالة الطوارئ إما بخرقها أو التحريض عليها بأي وسيلة من وسائل التحريض، وهي عقوبة حبسية من شهر إلى ثلاثة أشهر، وغرامة مالية تتراوح ما بين 300 و1300 درهم أو بإحدى العقوبتين فقط، وفق ما هو منصوص عليه في المادة الرابعة من المرسوم السالف الذكر.

وقد تقرر في اليوم الموالي، أي يوم 24 مارس2020 إصدار مرسوم بقانون، 2.20.293[12]؛ المتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا – كوفيد 19، وذلك بسائر أرجاء التراب، إلى يوم 20 أبريل 2020 في الساعة السادسة مساء[13]؛ من خلال إلزام المواطنين بما بات يعرف بالحجر المنزلي  الذي يقتضي عدم السماح لهم بمغادرة محل سكناهم إلا للضرورة القصوى وفق التدابير المنصوص عليها في هذا المرسوم، مع التقيد بمجموعة من التدابير الوقائية اللازمة، كما منع أي تجمع أو تجمهر أو اجتماع قد يهدد الصحة العامة ويؤدي إلى تفشي الوباء، وصاحب كل ذلك إغلاق المحلات التجارية وغيرها من المؤسسات التي تستقبل العموم طيلة فترة حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها. 

وتجدر الإشارة إلى أنه قد سبق إعلان حالة الطوارئ ببلاغ لوزارة الداخلية يوم 20 مارس 2020، إلا أن هذا البلاغ ووجه بعدة انتقادات، مما جعل الحكومة تتدخل من خلال مرسوم قانون بسن حالة الطوارئ الصحية المذكور أعلاه.

المحور الثاني: تأثير حالة الطوارئ الصحية على الحقوق والحريات

تتخذ حكومات مختلف الدول التي طالتها جائحة كورونا، في الآونة الأخيرة، إجراءات عديدة لمكافحة هذا الفيروس والحد من انتشاره، تنوعت هذه الإجراءات بين إعلان حالة الطوارئ الصحية، والتعبئة العامة وحظر التجول الجزئي أو الكلي، إلا أن الكل مجمع على الالتزام بالحجر المنزلي، كإجراء أساسي في محاصرة الوباء الطارئ، والوقاية منه.

وأمام هذا الواقع المستجد برزت إشكالية حقوق الإنسان المكرسة في مختلف القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، فهل يجوز تعطيل هذه الحقوق والحريات أو بعض منها بحجة الحالة الطارئة، وبأن المصلحة العليا تسمو فوق كل الحقوق، أم أنه يجب حماية حقوق الأفراد في كل زمان ومكان وفي جميع الحالات العادية منها والطارئة؟

مما لاشك فيه، وكما هو مقرر في القانون الدولي لحقوق الإنسان، أن للسلطة التنفيذية الحق في تقييد بعض الحقوق في حالات الطوارئ (الفقرة الأولى)، وبالمقابل فإن هناك حقوقا لا يمكن إخضاعها للتقييد مهما كانت الظروف والأحوال (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الحقوق والحريات التي تقبل التقييد

إن الإجراءات المتخذة عند تطبيق حالة الطوارئ الصحية، لا بد وأن يواكبها تضييق وتقييد لبعض الحقوق والحريات بشكل مؤقت، وهو الأمر الذي تقره الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وكذا مختلف الدساتير والتشريعات الوطنية، ولعل أبرز هذه الحقوق حرية التنقل والتجمع، والحق في الشغل.

أولا: حرية التنقل والتجمع

حرية التنقل محمية بوجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن حيث المبدأ فإن لكل شخص حرية الدخول إلى أي بلد ومغادرته، وله حق التنقل فيه بكل حرية وفق ما يقتضيه القانون.

جاء التنصيص على حرية التنقل في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في الفقرتين الأولى والثانية من المادة 12 كما يلي: “- لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته

لكل فرد حرية مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده”.

وحرية التنقل مكفولة كذلك في الدستور المغربي، حيث جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 24 منه : “حرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه، والخروج منه، والعودة إليه، مضمونة للجميع وفق القانون”

إلا أنه في حالة الطوارئ الصحية التي يعيشها العالم اليوم، فإن حرية التنقل صارت مقيدة وفقا للإجراءات التي يحددها القانون حفاظا على الصحة العامة، من أجل ذلك فإن مرسوم القانون 2.20.293 المتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية ببلادنا قد نص على تقييد هذا الحق، بحيث ألزم عموم المواطنين بالحجر المنزلي مع التقيد بكافة التدابير والشروط الوقائية التي تمليها السلطات المختصة؛ ومما ورد في المادة الثانية من هذا المرسوم ما يلي:

“في إطار حالة الطوارئ الصحية المعلنة طبقا للمادة الأولى أعلاه، تتخذ السلطات العمومية المعنية التدابير الإلزامية من أجل : أ- عدم مغادرة الأشخاص لمحل سكناهم مع اتخاذ الاحتياطات الوقائية اللازمة، طبقا لتوجيهات السلطات الصحية.

ب- منع أي تنقل لكل شخص خارج محل سكناه، إلا في حالة الضرورة القصوى …”.

ويمكن القول بأن هذه التدابير المتخذة بشأن حرية التنقل في حالة الطوارئ الصحية تتوافق مع ما هو منصوص علية في اللوائح الصحية الدولية[14] لمنظمة الصحة العالمية، وذلك في الفصل الثاني المعنون ب(أحكام خاصة بالمسافرين)، في المواد(30-32) التي سمحت بتقييد حرية التنقل وحركية المسافرين داخل وخارج أوطانهم وذلك بإصدار عدة توصيات موجهة للسلطات في مختلف البلدان، و بإقرار عدة تدابير في إطار مواجهة الوباء.

إن حرية التنقل تتعلق بها عدة حقوق وحريات أخرى، وبذلك فهي تتأثر بتقييدها؛ ومن هذه الحقوق، حق التجمع الذي تكفله جميع التشريعات.

ينص الفصل 29 من دستور المملكة على حرية التجمع، ومما ورد فيه:

” حرية التجمع، وحريات الاجتماع، والتجمهر والتظاهر السلمي، وتأسيس الجمعيات، والانتماء النقابي ، مضمونة، ويحدد القانون شروط ممارستها “.

إلا أن هذا الحق يخضع للتقييد في الظروف الاستثنائية كما هو الحال اليوم في ظل جائحة كورونا.

وبالرجوع إلى المرسوم الخاص بإعلان حالة الطوارئ نجده قد نص على تقييد هذا الحق في المادة الثانية كما يلي: (منع أي تجمع أو تجمهر أو اجتماع لمجموعة من الأشخاص مهما كانت الأسباب الداعية إلى ذلك، ويستثنى من هذا المنع الاجتماعات التي تنعقد لأغراض مهنية، مع مراعاة التدابير الوقائية المقررة من قبل السلطات الصحية).

ثانيا: حق الشعل

       كما أن من تداعيات حالة الطوارئ الصحية القائمة على الحجر المنزلي بالأساس، أن تعرض العديد من العمال والمهنيين والأجراء إلى فقدان عملهم بشكل مؤقت طيلة هذه الفترة، ومعلوم أن حق الشغل  من أبرز الحقوق المنصوص عليها دوليا ووطنيا[15]، وأمام هذا الوضع، وفي إطار التضامن، قامت الجهات الرسمية بالإضافة إلى جهات أخرى من المجتمع المدني، باتخاذ عدة أشكال من المبادرات الرامية إلى التخفيف من الآثار الناجمة عن فقدان الشغل؛ ويذكر بهذا الخصوص صندوق التضامن الذي أحدثته الحكومة، بتوجيهات من جلالة الملك، من خلال المرسوم رقم 2020.269 المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 17مارس 2020، والذي أطلق عليه اسم (الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا “كوفيد 19”)، حيث خصص هذا الصندوق  جزءا مهما من مصاريفه لمنح تعويضات مالية قدرها 2000 درهم شهريا للذين فقدوا شغلهم بسبب الجائحة خلال أشهر أبريل وماي ويونيو بالإضافة إلى نصف المنحة عن شهر مارس.

وبحسب تصريح لوزير الصحة المغربي، فقد بلغ عدد المستفيدين من المساعدات التي يمنحها هذا الصندوق، ما يزيد عن 4 ملايين أسرة، ممن فقد أربابها الشغل خلال فترة الطوارئ، أو ممن هم في حاجة إلى الدعم، وذلك إلى حدود 19 ماي 2020، علما أنه قد جرى تخصيص غلاف مالي لهذه المساعدات بلغ 4.2 مليار درهم من صندوق تدبير جائحة كورونا[16].

الفقرة الثانية: الحقوق و الحريات التي لا تخضع للتقييد

بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، فإن هناك عدة حقوق لا يجوز تقييدها ولا مخالفتها مهما كانت الظروف والأحوال، لذلك على الدول التي تعلن حالة الطوارئ عدم تعليقها لكونها غير قابلة للتقييد،  من هذه الحقوق:

الحقوق التي نص عليها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته الرابعة، ومنها: الحق في الحياة، و تحريم ممارسة التعذيب، أو الإخضاع للتجارب الطبية أو العلمية دون الموافقة، وحظر الرق والاتجار بالرقيق والعبودية، وحظر اعتقال أي شخص لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي، ومبدأ المساواة في مجال القانون الجنائي…

الحقوق المقررة بمقتضى المادة الرابعة من الميثاق العربي لحقوق الإنسان والتي يحظر المساس بها، ومنها: الحق في الحياة، حظر التعذيب، ضمان المحاكمة العادلة، وعدم الاعتقال بسبب عجز عن الوفاء بدين ناتج عن التزام تعاقدي…

غير أنه في بعض الأحيان قد تقع تجاوزات من قبل السلطات الساهرة على فرض حالة الطوارئ، عندما تعمد إلى انتهاك بعض هذه الحقوق ولعل أبرزها الحق في السلامة الجسدية والنفسية، رغم أنه من الحقوق التي لا ينبغي المساس بها مها كانت  الظروف والأحوال.

 

فالكثير من الحكومات، في مثل هذه الظروف ومن منطلق تمسكها بحقها في حماية نفسها مهما كان السبيل إلى ذلك حتى وإن كان عن طريق المساس بحقوق مواطنيها الأساسية، تلجأ إلى أعمال القبض العشوائية والاعتقالات والممارسات غير الإنسانية[17].

وقد نص الدستور المغربي في الفصل 22 على حماية هذا الحق من أي انتهاك في جميع الأحوال، ومما جاء فيه:

( لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة. لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية).

كما أن الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب لسنة 1984[18]، قد نصت على حظر التعذيب في جميع الظروف العادية منها والاستثنائية، ومما ورد في مادتها الثانية ما يلي:

( لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيا كانت سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديد أو بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب).

وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى موقف مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت حيث طالبت حكومات دول العالم بضمان حماية حقوق الإنسان من أي انتهاك تحت ستار تدابير استثنائية أو طارئة عند التعامل مع وباء كورونا

مما سبق، فإن حالة الطوارئ الصحية باعتبارها إحدى الحالات الواردة ضمن نظرية الظروف الاستثنائية، ليست طوارئ سياسية أو عسكرية قد ينتج عنها تقييد واسع للحقوق والحريات، وإنما هي حالة استثنائية أجازها القانون الدولي لحقوق الانسان وفق شروط معينة، لمواجهة الأخطار الحالة والجسيمة التي تواجهها الدولة، وبموجبها يحق للسلطة التنفيذية تجميد الأحكام الدستورية والتشريعية العادية بشكل مؤقت، و تقييد و تعطيل بعض من حقوق الأفراد وحرياتهم، باستثناء تلك الحقوق   والحريات المشار إليها أعلاه، وذلك حفاظا على الصحة العامة لعموم المواطنين.

خـــاتــمـــة

وفي الختام يمكن إجمال النتائج المتوصل إليها من خلال هذه الدراسة في الآتي:

 وباء كورونا الناتج عن فيروس كوفيد19، ظهر في الصين ثم انتشر بسبب العدوى في طرف وجيز ليصبح جائحة عالمية، أصيب به الملايين و أودى بحياة مئات الآلاف عبر العالم.

جل دول العالم أعلنت حالة طوارئ صحية قائمة بالأساس على الحجر المنزلي، والتقيد بالتدابير الوقائية التي تعلنها الجهات الرسمية.

حالة الطوارئ الصحية إجراء قانوني مشروع عند الإعلان عنه رسميا من قبل السلطة التنفيذية، تحكمه الاتفاقيات الدولية والإقليمية واللوائح الدولية لمنظمة الصحة العالمية.

بالمغرب تم إصدار عدة تشريعات لمواجهة الوباء وفق ما يضمن للدولة سيادتها واستقرارها، ويحفظ السلامة الصحية لعموم المواطنين.

أدت حالة الطوارئ الصحية إلى تقييد مؤقت للعديد من حريات وحقوق الأفراد.

برزت أثناء فترة الحجر المنزلي آليات من التضامن الرسمية وغير الرسمية للتخفيف من تداعيات هذه الجائحة.

———————————

الفهرس

مقدمة………………………………………………………………..01….

 المحور الأول: الأساس القانوني لحالة الطوارئ الصحية……………………..02…

الفقرة الأولى: حالة الطوارئ الصحية في القانون الدولي……………………02

أولا: في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان……………………………….02

ثانيا: في الاتفاقيات الإقليمية………………………………………….03

الفقرة الثانية: حالة الطوارئ الصحية في القانون المغربي…………………..05.

أولا: في الدستور المغربي……………………………………………05..

ثانيا: في التشريع الوطني………………………………………………06

المحور الثاني: تأثير حالة الطوارئ الصحية على حقوق الإنسان…………………08

الفقرة الأولى: الحقوق والحريات التي تقبل التقييد…………………………..08

أولا: حرية التنقل والتجمع………………………………………………08

ثانيا: حق الشغل……………………………………………………..10

الفقرة الثانية: الحقوق والحريات التي لا تخضع للتقييد………………………11

خاتمة…………………………………………………………………….13

قائمة المراجع………………………………………………………………15

قائمة المراجع

أحمد حسين إبراهيم، التوازن بين ضرورات كورونا والالتزامات الحقوقية لمصلحة الجميع، مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان.

الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان لسنة 1950.

الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لسنة 1969.

اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لسنة 1984.

خالد الشرقاوي السموني، التأصيل الدستوري والقانوني لحالة الطوارئ الصحية، مقال منشور في موقع com

سامي جمال الدين، لوائح الضرورة، وضمانة الرقابة القضائية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1982.

صباح داود سامي، المسؤولية الجنائية عن تعذيب الأشخاص، منشورات الحابي الحقوقية، بيروت، ط1، 2016.

علي المغراوي، كورونا وسؤال الحقوق والحريات في ظل حالة الطوارئ، مقال منشور في المجلة الإلكترونية منار الهدى، بتاريخ 29 ماي 2020.

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966.

منظمة الأمم المتحدة، الموقع الرسمي، un.org

الميثاق العربي لحقوق الإنسان لسنة 2004.

 – سامي جمال الدين، لوائح الضرورة، وضمانة الرقابة القضائية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1982، ص 323. [1]

 [2] – بلغ عدد المصابين بوباء كورونا في العالم أزيد من 7 ملايين مصاب، وعدد الوفيات فاق 400 ألف بتاريخ 06/06/2020  عن موقع bbc.com/arabic.

  تاريخ الزيارة 05/06/2020. www.un.org – الأمم المتحدة الموقع الرسمي،[3]

 – اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2200 ألف (د-21). [4]

 – اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 217 ألف (د-3) في 10 دجنبر 1948. [5]

 – اعتمدها مجلس أوروبا في 4 نونبر 1950 بروما، ودخلت حيز التنفيذ في 3 دجنبر 1953. [6]

 – اعتمدت في 22 نوفمبر عام 1969. دخل حيز التنفيذ في 18 يوليو 1978. [7]

 – اعتمد من قبل القمة لعربية السادسة عشرة، بتونس في 23 ماي 2004. [8]

– الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم (1.11.91) في 29 يوليو2011. [9]

ومما جاء في ديباجته: جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة،   وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة.

 – الصادر في 26 أكتوبر 2009، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5784، بتاريخ 5 نونبر 2009.[10]

 – الصادر في 23 مارس2020، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر، ص 1781. [11]

 – الصادر في 23 مارس2020، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر، ص 1782. [12]

 – تقرر رسميا تمديد فترة الحجر الصحي أولا إلى غاية 20 ماي، ثم مرة ثانية إلى غاية 10 يونيو 2020.[13]

 – منظمة الصحة العالمية، اللوائح الصحية الدولية (2005)، الطبعة 3، 2016، ص 26.  [14]

– جاء في المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يلي: [15]

( لكلِّ شخص حقُّ العمل، وفي حرِّية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومُرضية، وفي الحماية من البطالة).

وحق الشغل لمن بين الحقوق المنصوص عليها في الفصل 31 من الدستور المغربي أيضا.

 – نقلا عن موقع الجريدة الإلكترونية هسبريس بتاريخ 19 ماي 2020.[16]

 [17] – صباح سامي داود، المسؤولية الجنائية عن تعذيب الأشخاص، منشورات الحابي الحقوقية، بيروت، ط1، 2016      ص115.

– اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو المهينة أو اللاإنسانية أو المهينة، اعتمدتها الجمعية[18] العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم 39/46، في 10 دجنبر 1984، دخلت حيز التنفيذ في يونيو 1987.

TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *