-->

علاقة السلطة القضائية- رئاسة النيابة العامة- بالسلطتين التنفيذية والتشريعية


علاقة السلطة القضائية- رئاسة النيابة العامة- بالسلطتين التنفيذية والتشريعيةعلاقة السلطة القضائية- رئاسة النيابة العامة- بالسلطتين التنفيذية والتشريعية
عبد الله العلمي 
باحث في القانون 

علاقة السلطة القضائية- رئاسة النيابة العامة- بالسلطتين التنفيذية والتشريعية

حسب المادة 2 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية "تمارس السلطة القضائية من قبل القضاة الذين يزاولون مهامهم القضائية بالمحاكم التي يشملها التنظيم القضائي للمملكة"؛ و هو الأمر الذي يفهم منه بأن السلطة القضائية تنحصر في العمل القضائي الذي يمارسه القضاة بالمحاكم.

و بذلك يستثنى القضاة الملحقين بالإدارات العمومية من نطاق ممارسة السلطة القضائية حسب المادة 2 المذكورة؛ و هو ما أكدته المادة 27 من نفس القانون التنظيمي التي نصت على أنه "يكون مؤهلا للترشيح للعضوية في المجلس كل قاض تتوفر فيه الشروط التالية:..- أن يكون مزاولا لمهامه فعليا بإحدى محاكم الإستئناف أو محاكم أول درجة؛"

غير أنه عكس ذلك، اعتبرت المادة 24 من القانون التنظيمي المذكور، على أنه ينتخب القضاة العاملون خارج المحاكم المذكورة ضمن الهيئة التي ينتمون إليها بحكم منصبهم القضائي الأصلي.

فإذا كان مفهوم السلطة القضائية يتمثل في الممارسة الفعلية للعمل القضائي من طرف القضاة بالمحاكم، فما موقع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، رئاسة النيابة العامة، والمفتشية العامة للشؤون القضائية... من ذلك ؟

لا مناص من القول، بأنها تعتبر مؤسسات السلطة القضائية؛ غير أنه ينبغي تبيان طبيعة هذه المؤسسات، فمثلا المحاكم تعتبر مؤسسات السلطة القضائية ذات الطابع القضائي، بحكم أن السلطة القضائية تمارس في أحضانها، و هي من الناحية الدستورية تعتبر من المؤسسات الدستورية ذات الطابع الواقعي (Institutions constitutionnelles de fait)، بحكم أن الواقع هو الذي يحدد عدد و نوعية المحاكم (باستثناء محكمة النقض التي تعتبر مؤسسة دستورية ذات طابع قانوني)؛ في حين، أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يعتبر من بين مؤسسات السلطة القضائية ذات الطابع الإداري، و هو ما أكده الفصل 114 من دستور 2011، حينما اعتبر أن قراراته تقبل الطعن بالإلغاء أمام أعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة. إضافة إلى ذلك، فهو يعتبر مؤسسة دستورية ذات طابع قانوني Institution constitutionnelle de droit)). غير أن مفهوم السلطة القضائية قد يتسع ليتجاوز النطاق الذي رسمته له المادة 2 من القانون التنظيمي المذكور، ليشمل رئيس النيابة العامة، سيما أنه بالإطلاع على المادة 2 من القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة و بسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة، يتبين بأن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، يختص بالإشراف على عمل النيابة العامة ومراقبتها في ممارسة صلاحياتها المرتبطة بممارسة الدعوى العمومية و مراقبة سيرها في إطار احترام مضامين السياسة الجنائية طبقا للتشريعات الجاري بها العمل، و السهر على حسن سير الدعاوى في مجال اختصاصها، و ممارسة الطعون المتعلقة المتعلقة بها، و تتبع القضايا المعروضة على المحاكم التي تكون النيابة العامة طرفا فيها. و تبعا لذلك، يمكن اعتبار رئاسة النيابة العامة من بين مؤسسات السلطة القضائية ذات الطابع القضائي.
باعتبار أن رئيس النيابة العامة يبقى الجهة المخول لها مسؤولية تنفيذ السياسة الجنائية، فقد نصت المادة 110 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على أن هذا المجلس يتلقى تقرير الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، حول تنفيذ السياسة الجنائية و سير النيابة العامة، قبل عرضه و مناقشته أمام اللجنتين المكلفتين بالتشريع بمجلسي البرلمان. و في هذا الصدد، فقد اعتبرت المحكمة الدستورية في قرارها عدد 16/991 حول القانون التنظيمي المذكور على أنه:

" و حيث إنه، لئن كانت الجهة القضائية التي تتولى رئاسة النيابة العامة، تظل – وفقا للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبةمسؤولة عن كيفية تنفيذها للسياسة الجنائية الموضوعة من قبل السلطة الدستورية المختصة، فإن إعمال هذا المبدأ لا يمكن أن يتم، فيما يخص السلطة القضائية المستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، بنفس الكيفية وبذات الأدوات التي يتم بها في مجالات أخرى، بالنظر لطبيعة السلطة القضائية واستقلالها وآليات اشتغالها والسبل المقررة لتصحيح أخطاء أعضائها؛

وحيث إنه، لئن كان الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، المعهود إليه بترؤس النيابة العامة، يظل مسؤولا عن كيفية تنفيذه للسياسة الجنائية، وذلك أساسا أمام السلطة التي عينته المتمثلة في رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وكذا أمام هذا المجلس الذي يتعين عليه أن يقدم له تقارير دورية بشأن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، فإن المشرع، باعتباره المختص بوضع السياسة الجنائية، يحق له تتبع كيفيات تنفيذ هذه السياسة قصد تعديل المقتضيات المتعلقة بها وتطويرها إذا اقتضى الأمر ذلك؛

وحيث إن التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، المنصوص عليها في الفصل 113 من الدستور، بما في ذلك تقارير الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، بشأن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، تعد تقارير تهم الشأن العام القضائي التي يجوز للجميع، لا سيما البرلمان، تدارسها و الأخذ بما قد يرد فيها من توصيات، مع مراعاة مبدأ فصل السلط والاحترام الواجب للسلطة القضائية المستقلة؛

و حيث إن المادة 110 المذكورة، ما دامت لا تشترط عرض الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لتقاريره المتعلقة بتنفيذ السياسة الجنائية و سير النيابة العامة و لا حضوره لدى مناقشتها أمام اللجنتين المكلفتين بالتشريع بمجلسي البرلمان، فليس فيها ما يخالف الدستور؛" فمن خلال التمعن في المادة 110 المذكورة، و التأويلات التي صاغتها المحكمة الدستورية بخصوصها، يتبين بأن المشرع التنظيمي لم يكن يهدف من خلال التنصيص على عرض الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لتقريره المذكور، مساءلته أمام المؤسسة البرلمانية؛ لكن، الغاية من ذلك، هو تكريس مبدأ التعاون بين السلط المنصوص عليه في المادة 1 من الدستور، باعتبار أن وضع السياسة الجنائية هي نقطة يلتقي فيها العمل التشريعي بالعمل الحكومي، فإن التقرير المذكور الذي يعرضه رئيس النيابة العامة، يعتبر قاعدة و منطلق في تقييم السياسة الجنائية، و يُمَكن البرلمان من القيام بالتقييم الذاتي Autoévaluation)) للسياسة الجنائية المرتبطة بالتشريع الجنائي على اعتبار أن القانون يختص بالتشريع في تحديد الجرائم و العقوبات الجارية عليها، و المسطرة الجنائية طبقا للفصل 71 من الدستور.

كما أنه بالنظر إلى أن الفصل 70 من الدستور قد أسند إلى البرلمان إختصاص تقييم السياسات العمومية، فإنه من الممكن اعتبار وضع السياسة الجنائية يبقى كذلك من اختصاصات مجلس الحكومة طبقا للفصل 92 من الدستور الذي ينص على أنه "يتداول مجلس الحكومة، تحت رئاسة الحكومة، في القضايا و النصوص التالية:...السياسات العمومية؛". و بذلك، فإن البرلمان يقوم، من خلال مناقشته لتقرير رئيس النيابة العامة، من جهة، بالتقييم الذاتي لسياسته التشريعية في الميدان الجنائي؛ و من جهة أخرى، بتقييم السياسة الحكومية في الميدان الجنائي، و ذلك بتقييم إنعكاسات السياسات العمومية ذات الطابع الإقتصادي و الإجتماعي على السياسة الجنائية. إذن، لا يمكن إنكار الترابط الوطيد و الوثيق بين السياسة الجنائية و باقي السياسات العمومية. و من هنا، يأتي دور رئيس النيابة العامة، من خلاله تقريره المذكور، في مساعدة البرلمان في تقييم السياسة الجنائية، و تكريس مبدأ التعاون بين السلط.

قبل دستور 2011، كان دور البرلمان ينحصر في التشريع و مراقبة العمل الحكومي؛ و مع دستور 2011، أصبح البرلمان مختصا، بالإضافة إلى ذلك، في تقييم السياسات العمومية. لذلك، فإن مفهوم السياسة الجنائية يجب أن يعاد فيه النقاش في ضوء السياق الدستوري الحالي، و بيان ما إذا كان مرتبط فقط بالسياسة التشريعية في الميدان الجنائي، أو أنه يمتد كذلك إلى السياسات العمومية الإقتصادية و الإجتماعية...التي لها تأثير على تنامي أو إنخفاض معدل الجريمة. فتنامي الجريمة لا يعني فشل السياسة التشريعية في الميدان الجنائي، بل يمكن أن يعزى ذلك إلى انعكاسات السياسات العمومية الإقتصادية والإجتماعية...؛ و من هنا، يمكن القول، أيضا، بأن السياسة الجنائية مرتبطة بالسياسات العمومية. لذلك، لا يمكن اختزال السياسة الجنائية في التشريع الجنائي، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى الأبعاد الإقتصادية و الإجتماعية للسياسات العمومية؛ و هو الأمر الذي يبدو جليا في جرائم السرقة و التسول...التي تبقى مرتبطة بالسياسات العمومية المتعلقة بمحاربة الفقر، الهشاشة، التنمية البشرية...، و التشغيل. لذلك، يتعين عدم الإستهانة بتقرير رئيس النيابة العامة بخصوص تنفيذ السياسة الجنائية، على اعتبار أن تقريره، يمكن اعتماده كأداة من أدوات تقييم السياسات العمومية من طرف البرلمان؛ كما أن مناقشة تقريره من طرف لجنتي التشريع في ظل الثنائية البرلمانية، يقتضي تغيير التشريع الجنائي و تحيينه، حتى يواكب تطور المجتمع و تطور الجريمة، من أجل ضمان فعالية و تجويد التشريع الجنائي.

فإذا كانت غاية المشرع التنظيمي حصر السياسة الجنائية في التشريع الجنائي، لكان من الوجاهة و المنطق، أن يعتبر تقرير رئيس النيابة العامة يهم تنفيذ التشريع الجنائي. و على هذا المقاس، كذلك، يمكن اعتبار وضع السياسة التجارية مرتبطة بالتشريع التجاري، و وضع السياسة الإجتماعية مرتبطة بالتشريع الإجتماعي؛ سيما أن القانون التجاري و القانون الإجتماعي هما من اختصاص المشرع طبقا للفصل 71 من الدستور؛ لكن مثلا، في حال فشل السياسة التجارية، فهل من الممكن أن يعزى ذلك إلى المشرع التجاري؛ غير أنه، إذا سايرنا هذا المنطق، فإنه من الممكن أن نستنتج بأن السياسات العمومية مرتبطة بالسياسات التشريعية التي اختارها البرلمان في سن القوانين؛ لكن، هذا لا يعني أن وضع السياسات العمومية يتم من طرف البرلمان، على اعتبار أن دوره ينحصر في تقييمها.

TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *