-->

حدود حرية تأسيس الجمعيات بالمغرب بين القانون والواقع

حدود حرية تأسيس الجمعيات بالمغرب بين القانون والواقع

حدود حرية تأسيس الجمعيات بالمغرب بين القانون والواقع

د/ العربي محمد مياد

يحق لكل المغاربة ولا سيما رجال القانون والسياسة  والمجتمع المدني أن يحتفلوا في 15 نونبر من كل سنة ،بذكرى صدور قانون الحريات العامة في المغرب ولا سيما في شقه المتعلق بتأسيس الجمعيات . وهكذا فإنه بمقتضى الفصل 2 من ظهير 15 نونبر 1958 تكرس حق تأسيس الجمعيات بكل حرية وبدون إذن سابق. ولا غرو أن الخلفية التي اعتمدها المشرع في بداية الاستقلال تشبعت بالأفكار التقدمية  والتحررية التي  قامت عليها الحركة الوطنية ، فضلا عن تبني تلك  الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان ولا سيما الفقرة الأولى من المادة 20 التي نصت على أن لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية . وهو ما كرسته فيما بعد المادة 22 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16 دجنبر 1966 ودخل حيز التنفيذ بتاريخ 23 مارس 1976، عندما أكدت على أن لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه.

غير أنه بتاريخ 10 أبريل 1973 تم تقييد هذا المبدأ ، بحيث تم تغيير الفصل 2 المذكور ، وبالتالي تقييد حرية تأسيس الجمعيات على شرط مراعاة المقتضيات الواردة في الفصل 5  .

وقد نص هذا الفصل بعد تعديله على أنه  يجب أن تقدم كل جمعية سابق تصريح إلى مقر السلطة الإدارية المحلية وإلى وكيل الملك لدى المحكمة بالدائرة القضائية ويتضمن هذا التصريح اسم الجمعية وأهدافها ومقر الجمعية ....ويسلم وصل عن كل إيداع .

وبذلك يكون المشرع أصبح يحتاط من كثرة تأسيس الجمعية وجعلها تحت المراقبة اللصيقة للسلطة العمومية والنيابة العامة، خاصة في ظل الظرفية السياسية التي عرفها المغرب بداية السبعينات من القرن الماضي .

والملاحظ أن الفصل 5 المذكور ما فتيء يعرف تغييرات لاحقة والمتمثلة في التعديل الثاني الذي مسه بمقتضى القانون رقم 75.00 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.206 بتاريخ 23 يوليوز 2002 . بحيث " يجب أن تقدم كل جمعية تصريحا إلى مقر السلطة الإدارية المحلية الكائن مقرها مباشرة أو بواسطة عون قضائي يسلم عنه وصل مؤقت مختوم ومؤرخ في الحال. وتوجه السلطة المحلية المذكورة إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية المختصة نسخة من التصريح المذكور وكذا نسخا من الوثائق المرفقة به المشار إليها في الفقرة الثالثة بعده، وذلك قصد تمكينها من إبداء رأيها في الطلب عند الاقتضاء . وعند استيفاء التصريح للإجراءات المنصوص عليها في الفقرة اللاحقة يسلم الوصل النهائي وجوبا داخل أجل 60 يوما . وفي حالة عدم تسليمه داخل هذا الأجل جاز للجمعية أن تمارس نشاطها وفق الأهداف المسطرة في قوانينها .

ويتضمن التصريح ما يلي :

- اسم الجمعة وأهدافها ؛

-  - لائحة بالأسماء الشخصية والعائلية وجنسية وسن وتاريخ ومكان الازدياد ومهنة ومحل سكنى أعضاء المكتب المسير؛

- الصفة التي يمثلون بها الجمعية تحت أي اسم كان؛

- صورا من بطائقهم الوطنية أو بطائق الإقامة للأجانب، ونسخا بطائق السجل العدلي؛

-  مقر الجمعية؛

-  عدد ومقار ما أحدثته الجمعية من فروع ومؤسسات تابعة لها أو منفصلة عنها تعمل تحت إدارتها أو تربطها بها علائق مستمرة وترمي إلى القيام بعمل مشترك.

وتضاف إلى التصريح المشار إليه في الفقرة الأولى من هذا الفصل القوانين الأساسية وتقدم ثلاثة نظائر عن هذه الوثائق إلى مقر السلطة الإدارية المحلية التي توجه واحدة منها إلى الأمانة العامة للحكومة .

ويمضي صاحب الطلب تصريحه وكذا الوثائق المضافة إليه ويشهد بصحتها وتفرض على كل القوانين الأساسية ولائحة الأعضاء المكلفين بإدارة الجمعية أو تسييرها حقوق التنبر المؤداة بالنسبة للحجم باستثناء نظيرين. وكل تغيير يطرأ على التسيير أو الإدارة أو كل تعديل يدخل على القوانين الأساسية وكذا احداث مؤسسات فرعية أو تابعة أو منفصلة يجب أن يصرح به خلال الشهر الموالي وضمن نفس الشروط، ولا يمكن أن يحتج على الغير بهذه التغييرات والتعديلات إلا ابتداء من اليوم الذي يقع فيه التصريح بها.

وفي حالة إذا لم يطرأ تغيير في أعضاء الإدارة يجب على المعنيين بالأمر أن يصرحوا بعدم وقوع التغيير المذكور وذلك في التاريخ المقرر له بموجب القوانين الأساسية . ويسلم وصل مختوم ومؤرخ في الحال عن كل تصريح بالتغيير أو بعدمه.

يستخلص مما سبق أن تأسيس الجمعيات يتم بناء على الجموع العامة وأن كل ما يطلب من إدارة الجمعيات فقط تقديم تصريح بهذا التأسيس مرفق بجملة من الوثائق الإدارية ، وتكون السلطة المحلية ملزمة بقوة القانون بمنح وصل الإيداع المؤقت بمجرد هذا الإيداع وفورا ، وهذه السلطة هي من تتكلف بتوجيه نسخة بالتصريح إلى النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية المختصة ترابيا . وبعد انتهاء مدة 60 يوما تمنح الوصل النهائي ، كما توجه نظيرا للملف إلى الأمانة العامة للحكومة .

وكل تغيير يتطلب تصريحا يسلم عنه وصلا كذلك ، بل حتى في الوقت الذي تقرر الجمعية تثبيت أعضاء المكتب تصرح بذلك لدى السلطة المحلية .

غير أن هذا الفصل دخل عليه تعديلا ثالثا بمقتضى القانون رقم 07.09 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.09.39 بتاريخ 18 فبراير 2009 ، بحيث تم اعفاء أعضاء الجمعية من تقديم نسخ بطائق السجل العدلي . وخول السلطات العمومية امكانية تلقي التصريح بتأسيس الجمعيات وإجراء الأبحاث والحصول على البطاقة رقم 2 من السجل العدلي للمعنيين بالأمر.

وبذلك يكون المشرع أدخل بعض المرونة على تأسيس الجمعيات ، غير أنه لم يتراجع عن إلزامية تقديم الوصل المؤقت بمجرد تقديم التصريح بتأسيس الجمعيات ، في حين يتعين على السلطة العمومية تسليم الوصل النهائي وجوبا داخل أجل لا يتعدى 60 يوما من تاريخ استيفاء التصريح للإجراءات القانونية السالفة الذكر .لكن التساؤل الذي يفرض نفسه ، هل السلطة المحلية تحترم هذه المقتضيات الصريحة الواردة في القانون، على اعتبار أن هذا الأخير طبقا للفصل 6 من الدستور أسمى تعبير عن إرادة الأمة .والجميع بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه وملزمون بالامتثال له .

لكن ، بحكم الواقع المعاش ، ليس كل السلطات العمومية تحترم هذه المقتضيات ، نذكر على سبيل المثال ما يقع على مستوى عاصمة المملكة ، ذلك أن السلطة المحلية لا تتلقى التصريحات وتوجه المصرح إلى الكتابة العامة للعمالة ، في الوقت التي ترفض الجهة المكلفة  بتلقي التصريح بمنح الوصل المؤقت بدعوى  تنتظر مآل إجراءات الأبحاث . حدث  هذا  لي شخصيا رغم مرور 4 أشهر على إيداع التصريح طبقا للفصل 5 من ظهير 15 نونبر 1958 بتنظيم حق تأسيس الجمعيات كما وقع تعديله وتتميمه. وفي هذا خرق صريح للدستور ولا سيما الفصل 12 منه الذي نص على أنه تؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وتمارس أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون.

وما يلفت الانتباه كذلك، أنه لا يقبل الملف الذي يجعل المصرح من محل سكناه أو مقر دار الشباب مقرا للجمعية في غياب أي نص قانوني أو تنظيمي يمنع ذلك. لذلك تكون مثل هذه القرارات مشوبة بعيب الانحراف الموجب للإلغاء.

وهكذا قضت المحكمة الإداريةبالرباط أنه "حيث في نازلة الحال ، لا تنازع الإدارة في أن الطاعنة قد تقدمت بتصريح بالتأسيس في إطار الفصل المذكور منذ 25/07/2006 دون أن تمكنها لا من الوصل المؤقت رغم التنصيص على فورية تسليمه ولا من الوصل النهائي رغم مرور أجل 60 يوم على واقعة إيداع التصريح .

وحيث يقتصر دور السلطة الإدارية المحلية في إطار مقتضيات الفصل 5 المشار إليه على تلقي التصريح بتأسيس الجمعيات وتسليم الوصل المؤقت فورا ثم إحالة نسخة من التصريح  على النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية لإبداء رأيها للانتقال إلى مرحلة تسليم الوصل النهائي إثر مرور 60 يوم على الإيداع الأول ، مما حاصله أن الرقابة التي تجريها الإدارة على التصريحات المذكورة لا تستدعي مبادرتها إلى اتخاذ إجراءات انفرادية كسلطة إدارية من خلال الامتناع عن تسليم الوصلين المذكورين ، بقدر ما تسمح لها بتحريك طلب التصريح ببطلان الجمعية أو حلها لدى الجهة القضائية المختصة في إطار الفصل 7 من نفس القانون .

وحيث لئن تمسك دفاع المطلوبة في الطعن خلال جلسة البحث بأن القانون الأساسي للطاعنة يخالف قانون تأسيس الجمعيات وكذا روح النظام العام ، فعلى فرض صحة ذلك ، فإنه لا يقوم مبررا للامتناع عن تمكينها من الوصل المؤقت والنهائي طالما هناك مسطرة أقرها المشرع في إطار الفصلين 3 و7 من نفس القانون،  مما يكون معه قرار الإدارة الضمني برفض تمكين  الطاعنة من الوصل المؤقت غير مشروع ويتعين إلغاؤه ." ( حكم رقم : 14

بتاريخ: 3/1/2008 في الملف رقم : 75/07 غ منشور على موقع وزارة العدل). كما قضت نفس المحكمة بأن "رفض الإدارة تسلم ملف الجمعية وتسليم الوصل المؤقت حسب الثابت من محضر  مأمور إجراءات التنفيذ لعدم موافقة مصالح العمالة رغم توافر الملف على سائر الوثائق المتطلبة قانونا يشكل مخالفة دستورية لحرية تأسيس الجمعيات وللنظام التصريحي -وليس الترخيصي - الذي تقوم عليه، والذي لا يمنح للإدارة أي صلاحية تقديرية بشأن التصريح مما يجعل القرار الإداري المطعون فيه  يشكل اعتداء على  صلاحية السلطة القضائية باعتبارها الجهة الوحيدة المخول لها دستوريا توقيف الجمعية أو حلها الشيء الذي  يكون معه القرار المذكور مشوبا بعيبي مخالفة القانون وعدم الاختصاص  وحليفه الإلغاء."( حكم  رقم : 2209 بتاريخ 7/ 6/ 2012 في الملف رقم : 103/5 /2012 منشور على موقع وزارة العدل ).

ومما ينبغي الإشارة إليه أنه من حق الجمعيات ممارسة أنشطتها بمجرد مرور 60 يوما على تاريخ إيداع التصريح ومرفقاته، لكن على مستوى فتح الحساب البنكي او البريدي للجمعية فضلا عن الصندوق البريدي يتطلب تمكين الجهات المعنية من الوصل من أجل تلبية الطلب ، مما يعلق أنشطة المجتمع المدني الجاد ويغل يده ، في الوقت الذي يفرض الدستور على السلطات العمومية دعم بالوسائل الملائمة تنمية الابداع الثقافي والفني والبحث العلمي والتقني والنهوض بالرياضة ..

والحاصل أن كل تباطؤ في منح الجمعيات الوصولات المؤقتة  فور استلام الملف ، أو النهائية داخل الأجل القانوني، يعتبر هفوة قانونية من المفروض أن تعرض القائم بها للمساءلة التأديبية، خاصة إذا كانت مثل هذه التصرفات نابعة من مواقف شخصية أو مزاجية عن جهل أو إصرار ، ولا توجد فيها أية تعليمات من المسؤول الأول عن المرفق الإداري .

TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *