-->

إشكالية تدبير واستثمار الجماعات الترابية للعامل البشري في ضوء مسلسل الإصلاح الإداري بالمغرب

إشكالية تدبير واستثمار الجماعات الترابية للعامل البشري في ضوء مسلسل الإصلاح الإداري بالمغرب

ذ. عبد الحق الحطاب

باحث في الشؤون القانونية

فاعل جمعوي وناشط حقوقي

عضو المركز المتوسطي للدراسات القانونية والقضائية

الكاتب العام للمنتدى الوطني لأطر الإدارة القضائية الباحثين

 

 أخذ موضوع إصلاح ادارة المحلية حيزا كبيرا من المناقشات وقطع مشوارا لا يستهان به  ترجمه واقعيا الزخم الهائل من اقوانين منذ فترة الاستقلال إلى حدود الآن، إلا أنها بقيت رﻫﻴﻨـــ الاصلاحات المتواصلةـــالقصور في أداءــدﻣﺎت ادارة المحلية. ﻟـذا أـــﺒﺢ ذا أهمية نوعية لدى الدولة تأهيل البنية الإدارية والبشرية للوحدات الإدارية من خلال العمل على خلق طرق جديدة وحديثة لتنمية هذه الأخيرة وكذا الحرص على تكوين العامل البشري بها.

وكما لا يخفى على أحد، فقد عرفت الإدارة العمومية مجموعة من المبادرات الإصلاحية المتتالية منذ حصول المغرب على استقلاله إلى اليوم، ويعتبر تقرير البنك الدولي لسنة 1995 مرحلة مفصلية أماطت اللثام عن تشخيص واقعي لحال الإدارة العمومية المغربية، وقد عدد هذا التقرير أمراضها في تعقد المساطر وعدم عنايتها بالتواصل والاستقبال وضعف مواكبتها لمناهج التدبير الحديث وتعقد هياكلها وتأخرها في مسلسل اتخاذ القرار وضعف الانتاجية. وتوالت بعد هذا التقرير مجموعة من المحطات الأساسية والبرامج الإصلاحية لدعم تأهيل الإدارة العمومية انسجاما مع متطلبات العصر ومع روح التغيير.

وأبرز هذه المحطات، تتعلق بانبثاق دستور جديد لسنة 2011 بنفس اصلاحي، من خلال اعطائه إشارات واضحة لإحداث قطيعة مع كل الممارسات التي كانت تسقم جسم الادارة المغربية. وتعتبر الحكامة الجيدة من أقوى المفاهيم التي ركز عليها لتغيير أنماط التدبير الإداري وتبني أساليب جديدة قائمة على تبسيط المساطر الادارية وجودة الخدمات المقدمة.

ووعيا من جلالة الملك بأهمية مرحلة ما بعد دستور فاتح يوليوز 2011، فقد أولى مكانة خاصة في خطبه لإصلاح الادارة العمومية، وبرز ذلك بشكل جلي في أكثر من مناسبة وخطاب، ولعل الخطاب الذي ألقاه يوم الجمعة 14 أكتوبر 2016 بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان خير دليل على ذلك، إذ اختار جلالته هذه المناسبة للحديث عن اصلاح الادارة العمومية وتحسين علاقتها بالمواطن، مؤكدا جلالته بهذه المناسبة على ضرورة القيام بثورة داخل الإدارة العمومية لكسر تلك الصورة التقليدية للعلاقة بين المواطن والإدارة من خلال تغيير السلوكيات والعقليات لأجل مرفق عمومي فعال في خدمة المواطن.

ويقول جلالته في هذا الصدد "....إن المرافق والإدارات العمومية، تعاني من عدة نقائص، تتعلق بالضعف في الأداء، و في جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين.

كما أنها تعاني من التضخم ومن قلة الكفاءة ، وغياب روح المسؤولية لدى العديد من الموظفين...".

هذه الاختلالات محط إجماع كل المغاربة، يلامسونها بشكل جلي في كل فرصة لطلب الخدمات العمومية، خدمات تتراوح بين التماطل في تلبيتها وبين الزبونية في الحصول عليها وبين التعقيد والتعسير في كيفية الوصول اليها، خدمات وراءها بنيات ادارية عتيقة مهترئة وعقليات متحجرة بئيسة همها الدفاع عن مصالحها الشخصية الضيقة ومقاومة التغيير بنفس الجمود والعدمية.

جلالة الملك يعود مرة أخرى بتاريخ 29 يوليوز 2017 بمناسبة الذكرى 18 لتربعه على عرش أسلافه المنعمين، ليسلط الضوء في جانب من خطابه لمحدودية أداء الادارة العمومية وآثار ذلك على تنمية المغرب.

ويقول جلالته،"....إن من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين....".

وقد استعرض جلالته بشكل مستفيض لأزمة الادارة العمومية التي تعود بالأساس إلى مقاومة العقليات لروح التغيير، وإلى ضعف التنفيذ والإبداع، وعدم الاهتمام بالتواصل واستقبال المواطنين والتفاعل مع ملاحظاتهم وشكاياتهم وتظلماتهم، وعدم التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويؤكد جلالته في هذا السياق "....لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدأ ( ربط المسؤولية بالمحاسبة )، فكما يطبق القانون على جميع المغاربة، يجب ان يطبق أولا على كل المسؤولين بدون استثناء أو تمييز، وبكافة مناطق المملكة.....".

لقد وضع جلالته بخطابه هذا، خارطة طريق لوضع الإدارة العمومية على سكتها الصحيحة، لاسيما وأن النموذج المغربي الاقتصادي بلغ مرحلة من النضج تجعله مؤهلا للحاق بنادي الدول الصاعدة، في مناخ يتميز بالعولمة الاقتصادية.

وفي اعتقادنا، فالإدارة العمومية المغربية ستبقى غير قادرة على استيعاب ومواجهة المهام والأدوار الطلائعية الجديدة المنوطة بها، ما لم تتحرر من الروتين والبطء، وما لم تجدد نفسها وتعقلن مساطرها، وتواكب مستجدات الارتقاء الإداري.

وفي هذا الإطار، هناك العديد من المقترحات والتي بدون شك سيكون لها الأثر الملموس على النهوض والارتقاء بالمرفق العمومي خدمة لتنمية المغرب على جميع الأصعدة، وهي:

تثمين الرأسمال البشري وتمكينه وتنميته باعتباره جزءا لا يتجزأ من الركائز الاساسية للنهوض بالموارد البشرية وتحفيزها وتشجيعها على بذل المزيد من العطاء؛

ايلاء أهمية خاصة لمحاربة كل أشكال الفساد، وعيا بآثاره السلبية على الاقتصاد الوطني، من خلال تقوية أدوار مؤسسات الرقابة وتكريس استقلالها وتفعيل توصياتها؛

باعتبار الحكامة نهجا ونمطا في التدبير، فإن الارتكاز على هذا المقاربة الناجعة في التدبير يؤسس لإدارة الحكامة الجيدة كإدارة مواطنة تتسم بالنجاعة والمردودية وتتميز بخصائص التدبير الحديث من تخليق وشفافية وترشيد وعقلنة وانفتاح وتواصل وتحفيز، ويؤدي كل العاملين فيها وظائفهم وفق مبادئ احترام القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمصلحة العامة؛

وضع ميثاق وطني للاتمركز الإداري، يعتمد المقاربة الترابية ويستجيب للأهداف المرتبطة بدعم الحكامة المحلية وتطوير الخدمات الإدارية ومواكبة الجهوية المتقدمة؛

إصدار ميثاق المرافق العمومية طبقا للفصل 157 من الدستور، يحدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجماعات الترابية والأجهزة العمومية، ويهدف إلى تكريس المساواة والاستمرارية والحياد وتيسير الولوج إلى الخدمات العمومية؛

تلك أهم مداخل إصلاح الادارة العمومية للنهوض بجودة الخدمات العمومية، تغييرا للصورة النمطية لهذه الادارة في مخيال المجتمع، وكسبا للرهان الذي يفتح افاقا رحبة للمغرب لتحسين موقعه في الخارطة العالمية للتنمية بمختلف أبعادها ومستوياتها.

المطلب الأول الإكراهات والتحديات المتعلقة بالموارد البشرية

المطلب الثاني الإكراهات والتحديات المتعلقة بالبنيات الإدارية

 المطلب الأول الإكراهات والتحديات المتعلقة بالموارد البشرية

إن محاولة معالجة أـﺎﻟيب وـرق تحسين البنية الإدارية للجماعات الترابية للوصول إلىدﻣﺎت ذات جودة عالية تقدم لعموم المرتفقين والمواطنين يتطلب نهج مقاربة خاصة وذلك باﻹﺳـﺘﻨﺎد إلى نظام محلياشد مزود بوسائل ﻣﺎدــوﺑﺸـــﺮﻳﺔ ﺗﺘﻤﺎﺷــومتطلبات التسيير والتدبير العصري المعمول به حاليا، وتطلعات اﻟﺘﻨﻤﻴــالمحلية المستقبلية.

إن ﻛﻔــءة ادارة الترابية المحلية وﻓﻌﺎﻟﻴﺘﻬــيتطلب ﺟﻬــزانيا وإداريا ذات الخبرة واﻟﺘكوين واــﺘﺤﻜﻢ اﻟﺘﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴــﺎ ﻣــتخطيط وﺗﻨﻈﻴﻢ وإﺷﺮاف وﻣﻮارد ﻣﺎﻟﻴﺔ ﻛﺎﻓﻴﺔ وﻣﺴﺘﻘﻠﺔ  . - ﻻ ﻣﺒﺎﻻة بعض المسؤولين اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻜﺘﻔﻮن بالعمل اﻟﻘﻠﻴﻞ والمحدود، اﻟﺬي ينعكس سلبا على وﺿﻊ اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ المحلية،ــاــﺎ ﺗﺸــﻜﻮ ﻣﻨــﻪ ﺟــادارات،ــا ﻻ ﺑــﺪ ﻣــﻦ ﺗﻐﻴــ ﻣﻔﻬــم اﻟﺮﻗﺎﺑــﺔ ﻟــى اﻟﻮﺻــﺎﻳﺔ اــ ﻣﺒــأﻫﺎ اﻟﻌﻤــوإــذ اﻟﻘــار وﺗﻌﺰﻳﺰ اﻹﺳﺘﻘﻼﻟﻴﺔ واﺮﻳﺔ .

وﺗﺸــﻜﻞ الحكامة الجيدةــطاــﻮﻫﺮيا ﻟﻠﺘﻨﻤﻴــاﻹﻗﺘﺼــدﻳﺔ واﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻴــﺔ ﻋﻠــاﳌﺴــﺘﻮى المحلي،أداة ﻓﻌﺎﻟــتمكن ادارة اﻠﻴﺔ ﻣن تحقيق أدوارﻫﺎ ﺑﺄﻛﻤﻞ وﺟﻪ. ومن ثمة، يجب أن ﺗﻜﻮن اﻟﻌﻼﻗﺔ بين الدولة وادارة المحلية ﺗﺘﺴﻢ ﺑﺎﻟﺘﻜﺎﻣﻞ واﳌﻮاﺟﻬﺔ وذﻟﻚ ﺑﺎﻟﺘﻌﺮف ﺑﻮﺿﻮح ﻋﻠﻰ اﳌﻬﺎم اﳌﺴﻨﺪة إﻟﻴﻬﻤﺎ وتحديدﻫﺎ بدقة ﺗﺎﻣﺔ ﻟﺘﻔﺎدي التداخل ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ.

رغم الأهمية التي تحتلها الإدارة المحلية الذاتية الخاصة بالجهة فإن معظم الجهات لا تتوفر على هياكل إدارية خاصة بها كما أن القانون الجهوي اقتصر فقط على الإشارة إلى الكاتب العام والمكلفين بمهمة وأيضا المكلفين بالدراسات فعدم إصدار نصوص تنظيمية المكملة لقانون الجهة وفي هذا المجال بعد أحد السلبيات هذا القانون التي لا تشجع المجلس الجهوي على القيام باختصاصاته على الوجه الأكمل.

كما يعاني المستوى الجهوي أيضا من وجود تقصير في التشريع المرتبط بضرورة انتخاب المستشار الجهوي سواء وهو يمارس المهمة التداولية أو التسييرية الأمر الذي يؤثر سلبا على مردودية العمل الجهوي ويعيق المجالس الجهوية في الاستجابة إلى الحاجيات لدى الساكنة.

ويتجلى القصور التشريعي المرتبط بالمنتخب الجهوي في مسألتين وهما:

- مسألة التعويضات: كأن القانون غامض بعض الشيء في تحديدها إذلم يعممها على جميع أعضاء المجلس وقد يكون هذا الدافع الأساسي وراء ارتفاع عدد التغيبات خصوصا في أعمال اللجان التي تشكل العمود الفقري للعمل الجهوي.

- على مستوى التفرع لشؤون الجهوية: إذ أفرز القانون وضعية غير متوازنة في هذا الصدد جعلت الممارسة المحلية تقوم على أساس جمع المنتخب بين عدة انتدابات ومأموريات ومهمات تثقل كاهله بالمسؤوليات دون أن تكون له القدرة على الاضطلاع بها.

إن عملية تأهيل وإعادة الهيكلة الخاصة بالبنية الإدارية للجماعات الترابية مجرد وسيلة رئيسية تساهم في بلوغ مجموعة من الأهداف الجوهرية وعلى رأسها الرفع من نسبة الكفاءة والأداء لدى الأطر والموظفين والمنتخبين والفاعلين في المجال الترابي سواء في الجماعات والجهات والأقاليم والعمالات حتى يتم التغلب على كل العوامل التي تحد من الإنتاجية، وذلك من خلال إحداث تغييرات جذرية تهم الأساليب والمفاهيم الإدارية السلبية السائدة، وفي كل ما يرتبط بها ويتفاعل معها من عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية .

ولهذا، فالقوانين التنظيمية الجديدة الرامية إلى الحكامة الترابية تستوجب حسن إدارة وترشيد استخدام الموارد الوطنية المتاحة والمحتملة، وتكريس مبادئ الكفاءة والفعالية والإنتاجية في أجهزة الوحدات الإدارية وتدعيم التنظيم القطاعي والتخطيط الجهوي والإقليمي بما يحقق تحويل الدولة إلى مجموعة من الكيانات الاقتصادية والوحدات الإدارية المنتجة .

ومن المعلوم أن غالبية الدول الحديثة النامية منها والمتقدمة تعمل بنشاط في ميدان إعادة الهيكلة الإدارية ، ذلك أن إدارة الوحدات الإدارية كالجماعات الترابية والجهات لم تعد ترتكز على الارتجالية أو الاجتهادات الشخصية أو  الفردية ، بل أصبحت تستند إلى أسس علمية في التدبير ومبادئ ثابتة ومعترف بها في التسيير ومنطقية ومعقلنة متوافق عليها عالميا ، وتهدف بصفة رئيسية إلى تطوير الإدارة بما يتلاءم وطبيعة أهداف وتطلعات المجتمعات الحديثة وبالتالي رفع مستوى أداء الخدمة العامة لمرافق الدول، والقضاء على مظاهر الروتين والضعف والبطء في المردودية ، وسوء إدارة الموارد.

من الناحية النظرية، يحفل الحقل الإداري المعاصر بكم هائل من الأبحاث والدراسات الداعية إلى إعادة الهيكلة والتنظيم بالنسبة للوحدات والأجهزة الإدارية للتغلب على مجمل القيود التي تحد من حركتها وفعاليتها. ويستند البناء العلمي النظري لعادة الهيكلة إلى فرضية أساسية مفادها أن الدارة هي في المقام الو ل أداة للتغيير تهدف إلى تحقيق التحول أو الانتقال من وضع سائد ضعيف إلى وضع جديد فاعل، وذلك من خلال ربط أجزاء النظام الإداري وجعلها ذات قدرة فائقة على التأثير في الوضع المحيط بها. وبصورة إجمالية، فإن مفهوم إعادة الهيكلة يتبلور من خلال عدة أبعاد، أبرزها ما يلي :

-إحداث التغييرات الهيكلية للتخلص من القيود الإدارية التي تعيق المردودية والإنتاجية، وتبني الأساليب المتطورة التي تكفل ترشيد اتخاذ القرارات، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة أخذا في الاعتبار النفقة والعائد وإعادة النظر في مفهوم الوظيفة العامة وتغليب منطق الخدمة والعائد فيها على منطق السلطة  وتعميق سياسة اللامركزية عن طريق تفويض الصلاحيات الكافية لكل مستوى إداري بما يتناسب وطبيعة الأنشطة التي يمارسها وحجم المسئوليات الملقاة عليه.

ونلاحظ أن المشرع المغربي يحاول نهج هذا الأسلوب للرفع من مردودية الإدارة الترابية المحلية والجهوية بالرغم من كون المغرب لا يتوفر على نص قانوني شامل ينظم أحكام التفويض وضوابطه وآثاره القانونية بكيفية دقيقة ، ولعل الحكمة في ذلك أن القواعد التي تحكم التفويض تعتبر من المبادئ العامة للقانون الإداري، وحتى لو تم وضع نص خاص به فإنه لا يمكن إلا أن يكرس هذه المبادئ العامة.

ومن أهم الغايات المنشودة من اعتماد التفويض كطريقة لتسيير المرافق الإدارية نجد تحقيق النتائج المسطرة عن طريق تفويض بعض الصلاحيات والسلطات لنواب رئيس المجلس ومرؤوسيه لتحفيزهم بهدف تنفيذ الأعمال التي هي من صميم مسؤوليات المفوض بالمستوى المطلوب.

فللتفويض مزايا عدة فإلى جانب أنه يخفف العبء عن الرئيس صاحب الاختصاص الأصلي عبر قيامه بنقل جزء من اختصاصه في مسألة معينة إلى أحد مرؤوسيه أو مساعديه، فهو يؤدي من جانب آخر إلى تحقيق السرعة والمرونة في أداء الأعمال مما يسهل على الأفراد قضاء مصالحهم ويدرب المرؤوسين على القيام بأعمال الرؤساء، فينمي فيهم الثقة والقدرة على القيادة.

لقد توخى المشرع من جواز التفويض من خلال مقتضيات القانون التنظيمي للجماعات الترابية عدة أهداف وغايات نبرز بعضها فيما يلي :

1-إشراك أعضاء المكتب وفئة من الموظفين في تسيير الشؤون المحلية:

إن فلسفة التفويض تعتمد في أساسها على إشراك نواب الرئيس وفئة خاصة من الموظفين في تحمل مسؤولية تسيير الشؤون المحلية الشيء الذي يمكن من ضمان مردودية أحسن وفعالية أكثر لسير مختلف المرافق الجماعية.

فلا شك أن احتكار المسؤولية من لدن الرئيس يترتب عليه لا محالة اضطراب سير هذه المصالح وبطئها وعدم فعاليتها خاصة وأن الرئيس غير متفرغ، ثم إن نوابه لا يملكون من الناحية القانونية أي مهام أو اختصاصات خاصة بهم فمؤسسة الرئيس هي المؤهلة وحدها لتسيير الجماعة.

2-احتواء النزاعات داخل المكتب:

إن إشراك رئيس المجلس لمساعديه في تحمل المسؤولية يشكل إحدى الآليات القانونية التي تمكن من احتواء أو على الأقل التخفيف من التوترات والنزاعات التي قد يعرفها المجلس. ولا شك أن إشراك الرئيس لمساعديه في تدبير شؤون الجماعة يسهل مأموريته في تدبير الشأن المحلي ويجنبه عواقب الخلافات التي قد يثيرها مساعدوه في حالة احتكاره للسلطة.

3-عدم تركيز السلطة:

إن تركيز السلطة بيد رئيس المجلس يؤدي حتما إلى إغراقه في التفاصيل والجزئيات وزيادة مسؤولياته وأعبائه، لذا فإن آلية التفويض تسمح بتوزيع السلطة داخل المكتب، الشيء الذي يساعده في حسن سير العمل ويرفع من مردوديته، كما يؤدي إلى تخفيف الأعباء والمسؤوليات التي يتحملها رئيس المجلس .

4-تدريب أعضاء المكتب على تحمل المسؤولية :

ويسمح التفويض بالتدرب على القيام ببعض الاختصاصات المخولة للرئيس مما يؤدي إلى زيادة قدراتهم وكفاءتهم وتأهيلهم في ممارسة الشأن المحلي.

5-ضمان استمرارية المرافق الإدارية:

يعتبر التفويض إحدى الآليات التي تسمح بضمان سير المرفق العام الجماعي وتفادي ما يمكن أن يترتب عن ذلك من نتائج وخيمة على مصالح الجماعة والمواطنين على حد سواء في حالة ما إذا تغيب الرئيس أو عاقه عائق لأي سبب من الأسباب.

وهكذا، نجد المشرع في مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات أطر التفويض في مجموعة من المواد على سبيل المثال نذكر:

المادة 102 التي نصت على ما يلي: "يعتبر رئيس مجلس الجماعة ضابطا للحالة المدنية. ويمكنه تفويض هذه المهمة إلى النواب كما يمكنه تفويضها أيضا للموظفين الجماعيين طبقا لأحكام القانون المتعلق بالحالة المدنية.

يقوم، طبق الشروط المنصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، بالإشهاد على صحة الإمضاء ومطابقة نسخ الوثائق لأصولها. ويمكنه تفويض هذه المهام إلى النواب وإلى المدير العام أو المدير، حسب الحالة، ورؤساء الأقسام والمصالح بإدارة الجماعة " .

المادة 103 التي أطرت التفويض في الإمضاء والتفويض في المهام، حيث نصت على ما يلي: "يجوز لرئيس المجلس تحت مسؤوليته ومراقبته أن يفوض إمضاءه بقرار إلى نوابه باستثناء التسيير الإداري والأمر بالصرف. ويجوز له أيضا أن يفوض لنوابه بقرار بعض صلاحياته شريطة أن ينحصر التفويض في قطاع محدد لكل نائب، وذلك مع مراعاة أحكام هذا القانون التنظيمي."

المادة 236 التي أكدت على ما يلي : "ينفذ رئيس مجلس المقاطعة مقررات مجلس المقاطعة ويتخذ التدابير اللازمة لهذا الغرض ويسهر على مراقبة تنفيذها. ويمارس رئيس مجلس المقاطعة الصلاحيات المفوضة له من طرف رئيس مجلس الجماعة تحت مسؤولية هذا الأخير ولا يمكنه تفويضها لأعضاء مكتب مجلس المقاطعة. يمارس رئيس مجلس المقاطعة كذلك صلاحيات في مجال التدابير الفردية المتعلقة بالشرطة الإدارية داخل حدود المقاطعة في المجالات التالية: تلقي التصاريح المتعلقة بمزاولة الأنشطة التجارية والحرفية غير المنظمة؛ تلقي التصاريح المتعلقة بفتح المؤسسات المضرة أو المزعجة أو الخطيرة المرتبة طبقا للتشريع الجاري به العمل في الصنف الثالث.

ويمكن لرئيس مجلس الجماعة أن يفوض لرئيس مجلس المقاطعة بعض صلاحياته في مجال التدابير الفردية للشرطة الإدارية، غير أنه، وعندما يمنح تفويض لرئيس مجلس المقاطعة، يخول، بحكم القانون، نفس التفويض إلى باقي رؤساء مجالس المقاطعات بطلب منهم. في الحالات التي يتم فيها، لأي سبب من الأسباب، سحب التفويض المذكور يجب أن يكون قرار السحب معللا."

المادة 66 التي كرست الفصل بين المهام التداولية والمهام التنفيذية حيث ألزمت المستشارين الجماعيين غير المنتمين إلى المكتب بعدم ممارسة المهام الإدارية والتدخل في تدبير المصالح الجماعية وذلك باستثناء دورهم التداولي داخل المجلس واللجان التابعة له.

وفي حالة الإخلال يتم تطبيق مقتضيات المادة 64 التي تنص على أنه " إذا ارتكب عضو من أعضاء مجلس الجماعة غير رئيسها، أفعالا مخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل تضر بأخلاقيات المرفق العمومي ومصالح الجماعة قام عامل العمالة أو الإقليم أو من ينوب عنه عن طريق رئيس المجلس بمراسلة المعني بالأمر للإدلاء بإيضاحات كتابية حول الأفعال المنسوبة إليه داخل أجل لا يتعدى (10) أيام ابتداء من تاريخ التوصل.

يجوز للعامل أو من ينوب عنه، بعد التوصل بالإيضاحات الكتابية المشار إليها في ............، أو عند عدم الإدلاء بها بعد انصرام الأجل المحدد، إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية وذلك لطلب عزل عضو المجلس المعني بالأمر من مجلس الجماعة أو عزل الرئيس أو نوابه من عضوية المكتب أو المجلس. وتبت المحكمة في الطلب داخل أجل لا يتعدى شهرا من تاريخ توصلها بالإحالة. وفي حالة الاستعجال، يمكن إحالة الأمر إلى القضاء الاستعجالي بالمحكمة الإدارية الذي يبت فيه داخل أجل 48 ساعة من تاريخ توصله بالطلب. يترتب على إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية توقيف المعني بالأمر عن ممارسة مهامه إلى حين البت في طلب العزل .

وبالرجوع إلى المادة 21 نجدها كانت تنص على أن "كل عضو من المجلس الجماعي تثبت مسؤوليته في ارتكاب أعمال أو أفعال مخالفة للقانون ولأخلاقيات المرفق العام، يمكن بعد استدعائه للإدلاء بإيضاحات كتابية حول الأعمال المنسوبة إليه توقيفه لمدة لا تتجاوز شهرا واحدا بقرار معلل لوزير الداخلية، أو عزله بمرسوم معلل، يتم نشره بالجريدة الرسمية."

المواد 20 و21 و 76 و109 التي جاءت لتنظم حالات الانقطاع عن مزاولة المهام والامتناع عن القيام بالمهام والتغيب.

فالمادة 20 حصرت الحالات التي يعتبر فيها رئيس المجلس الجماعي ونوابه في حالة انقطاع عن مزاولة المهام في ثمان (8) حالات وهي : 1-الوفاة؛ 2-الاستقالة الاختيارية؛ 3-الإقالة الحكمية ؛ 4-العزل بما فيه حالة التجريد ؛ 5-الإلغاء النهائي للانتخاب؛ 6-الاعتقال لمدة تفوق ستة (6) أشهر؛ 7-الانقطاع بدون مبرر أو الامتناع عن مزاولة المهام لمدة شهرين؛ 8-الإدانة بحكم نهائي نتج عنه عدم الأهلية الانتخابية.

·     أما المادة 21 فأطرت المساطر الواجب اتباعها في حالة الانقطاع عن مزاولة المهام.

ففي حالة الانقطاع الناتج عن الأسباب من البند الأول (1) إلى البند السادس (6) و البند الثامن (8) من المادة 20 يحل المكتب بحكم القانون. ويستدعى المجلس لانتخاب رئيس جديد وباقي أعضاء المكتب وفق الشروط والكيفيات المنصوص عليها في القانون التنظيمي داخل أجل خمسة عشر (15) يوما من تاريخ معاينة الانقطاع بقرار من عامل العمالة أو الإقليم.

·     أما في حالة الانقطاع عن مزاولة المهام بدون مبرر أو الامتناع عن مزاولة المهام لمدة شهرين المنصوص عليها في البند السابع (7)  يقوم عامل العمالة أو الإقليم أو من ينوب عنه بإعذار المعني بالأمر (رئيس المجلس أو النائب) لاستئناف مهامه داخل أجل سبعة أيام بواسطة كتاب مع إشعار بالتسلم. وإذا تخلف الرئيس أو رفض ذلك بعد انقضاء هذا الأجل، أحال عامل العمالة أو الإقليم أو من ينوب عنه الأمر إلى القضاء الاستعجالي بالمحكمة الإدارية للبت في وجود حالة الانقطاع أو الامتناع داخل أجل 48 ساعة من إحالة القضية إليه. و يتم البت المشار إليه في الفقرة السابقة بواسطة حكم قضائي نهائي وعند الاقتضاء بدون استدعاء الأطراف. في حالة ما إذا أقر القضاء الاستعجالي وجود حالة الانقطاع أو الامتناع، يحل المكتب ويستدعى المجلس داخل أجل خمسة عشر (15) يوما من تاريخ الحكم القضائي لانتخاب رئيس جديد وباقي أعضاء المكتب وفق الشروط والكيفيات المنصوص عليها في القانون التنظيمي.

·     أما في حالة امتناع رئيس المجلس الجماعي عن القيام بالأعمال المنوطة به بمقتضى أحكام القانون التنظيمي وترتب على ذلك إخلال بالسير العادي لمصالح الجماعة فقد نصت المادة 76 على قيام عامل العمالة أو الإقليم بمطالبته بمزاولة المهام المنوطة به. وبعد انصرام أجل سبعة (7)أيام من تاريخ توجيه الطلب دون استجابة الرئيس، يحيل عامل العمالة أو الإقليم الأمر إلى القضاء الاستعجالي بالمحكمة الإدارية من أجل البت في وجود حالة الامتناع. ويبت القضاء الاستعجالي داخل أجل 48 ساعة من تاريخ تسجيل طلب الإحالة بكتابة الضبط بهذه المحكمة وذلك بواسطة حكم قضائي نهائي وعند الاقتضاء بدون استدعاء الأطراف. وفي حالة ما إذا أقر الحكم القضائي حالة الامتناع، جاز للعامل الحلول محل الرئيس في القيام بالأعمال التي امتنع هذا الأخير عن القيام بها. والملاحظ أن المشرع أناط بالقاضي الإداري صلاحية البت في حالة الامتناع وبالتالي عدم إمكانية ممارسة السلطة الإدارية لسلطة الحلول إلى بعد إثبات حالة الامتناع من طرف القضاء الاستعجالي.

كما أن التأهيل الإداري بالنسبة للجماعات الترابية