الأمن القانوني والقضائي بالمغرب: أسس الانبثاق وعوامل الانعتاق | Lajustice.ma مجلة متخصصة في العلوم القانونية -->

الأمن القانوني والقضائي بالمغرب: أسس الانبثاق وعوامل الانعتاق

 الأمن القانوني والقضائي بالمغرب: أسس الانبثاق وعوامل الانعتاق

عبد الحق الحطاب

باحث في الشؤون القانونية

فاعل جمعوي وناشط حقوقي

عضو المركز المتوسطي للدراسات القانونية والقضائية

الكاتب العام للمنتدى الوطني لأطر الإدارة القضائية الباحثين

مقدمة

لجأت التشريعات الحديثة في الدول المختلفة سواء النامية أو المتقدمة إلى لسن القواعد القانونية لكفالة الحقوق وضمانها وتحديد العلاقات الفردية والجماعية، ورتبت على ذلك آثارا معينة ذات طبيعة مدنية وجنائية في سبيل إحاطتها بالحماية وتحقيق الأمن واستقرار المجتمع. 

وبالعودة إلى النصوص القانونية المعمول بها دوليا، لا نجد أي تعريف لما يسمى بالأمن القانوني، لكن يمكن القول بأنه استنادا على عدد من المبادئ القانونية، ينبثق هذا الأخير من المبادئ العامة التي تحكم القانون، ويأتي في مقدمتها العلم بالقاعدة القانونية وإتاحة إمكانية الوصول إليها، والالتزام الخاص، الملقى على عاتق الدولة، بالاهتمام بنشر النصوص السارية المفعول، سواء منها التشريعية أو التنظيمية.

وينطلق مبدأ الأمن القانوني من استخدام لغة واضحة تسمح للمواطن بإدراك حقوقه وواجباته وأحكامه، مما يتطلب صياغة القاعدة القانونية بطريقة واضحة، وأسلوب لا يحتمل التأويل.

وهكذا، ذهب البعض إلى القول بأن الأمن القانوني يقصد به وجود نوع من الثبات النسبي للعلاقات القانونية وحد أدنى من الاستقرار للمراكز الناشئة عنها بغرض إشاعة الأمن والطمأنينة بين الأطراف المتعاقدة.[1]

وعرفه البعض الآخر بكونه ذلك “المبدأ الذي يكفل للمواطنين سهولة معرفة ما يبيحه وما يمنعه القانون المطبق، وهو ما يتطلب أن تكون القواعد المقررة واضحة مفهومة وألا تتغير بشكل متكرر وغير متوقع.[2]، وهو نفس التعريف الذي أكده مجلس الدولة الفرنسي حيث جاء في تقرير له سنة 2006 أن : “مبدأ الأمن القانوني يقتضي أن يكون المواطنون، دون كبير عناء، في مستوى تحديد ما هو مباح وما هو ممنوع من طرف القانون المطبق. وللوصول إلى هذه النتيجة، يتعين أن تكون القواعد المقررة واضحة، ومفهومة، وألا تخضع في الزمان إلى تغييرات متكررة أو غير متوقعة”[3].

ومن هنا، تبرز أهمية مبدأ الأمن القانوني والقضائي، من خلال مظاهره المتعددة التي تنعكس على مصالح الأطراف وهو ما سنتطرق إليه في محور أول قبل بيان العوامل التي تقف كعراقيل في مساره على أرض الواقع والممارسة في محور ثان.

المحور الأول

الأمن القانوني والقضائي بالمغرب: المظاهر وأسس الانبثاق

النقطة الأولى: تحقيق الاستقرار والثبات

تتجلى أهم ملامح الأمن القانوني والقضائي في تحقيق الاستقرار النسبي: ولذا يشترط في التشريعات المنظمة لشتى ميادين النشاط الإنساني، نوعاً من الثبات والاستقرار وليس التعديل الدائم مما يؤثر على استقرار الأوضاع، وهو ما يوجب على المشرع أن يضع القوانين بعد الدراسة المستفيضة.

فعندما نتحدث عن الاستقرار القانوني المصاحب لأي نشاط مجتمعي، أو لتحقيق أي معنى من معاني الأمن سالفة البيان، فإن ذلك يعني أن تكون المراكز القانونية الناجمة عن النشاط البشري واضحة وفعالة وغير معرضة للاهتزاز والمفاجآت، فأي نشاط بشري ولاسيما على سبيل المثال النشاط الاقتصادي لكونه بطبيعته نشاط ممتد من الزمن، وجوهر الاقتصاد التعامل مع المستقبل والرهان عليه، ولذلك فينبغي أن تكون هناك فكرة واضحة عن المراكز القانونية ليس في الحاضر فقط، وإنما في المستقبل أيضاً.

وليس معنى ذلك أن القانون ينبغي أن يظل جامدا، وإنما ألا يكون مجال تطور القانون وتعديله ميدانا للمفاجآت والصدمات. فالقانون يعبر عن حاجات المجتمع، وهي بطبيعتها في حالة تطور، ولكنه تطور معروف المعالم، ومن ثم فإن المشرع لا يقيم فخاخاً عند تعديل القانون، كما لا يصدر قوانين بأحكام غير متوقعة أو فجائية. ولذلك فإن الأمن القانوني أو الاستقرار القانوني لا يعني فقط حماية المراكز القانونية القائمة واحترام حقوق الأفراد وضمانها في الحاضر والمستقبل، ولكن يفيد أيضاً احترام التوقعات والآمال المشروعة.

ومع ذلك، فالقاعدة التي تتطلب ألا يعذر أحد بجهل القانون، تفترض أيضاً حسن النية بأن تكون الأحكام واردة حيث يتوقعها الإنسان. ولعل الأمن القانوني أو الاستقرار القانوني لا يعني الجمود وعدم تعديل القوانين، بل كثيراً ما يكون هذا الجمود وعدم التغير مظهراً لعدم الاستقرار.

فالقانون وهو يتطلب التلاؤم مع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية فإنه يتطلب التطور المستمر مع هذه الاحتياجات لتحقيق الأمن القانوني أو الاستقرار القانوني. فاستمرار قوانين بالية لا تتفق مع العصر واحتياجاته وبالتالي يصعب احترامها، يعتبر مظهراً من مظاهر عدم الأمن القانوني أو عدم الاستقرار القانوني بما يخلقه من أوضاع شاذة بين قانون غير مطبق وواقع جديد لا يعرف تنظيماً قانونياً سليماً. فالأمن القانوني أو الاستقرار القانوني يعني الملاءمة المستمرة بين أحكام القانون واحتياجات المجتمع. ولذلك فجمود القوانين قد يكون مدعاة لعدم الأمن أو الاستقرار.

ومما هو جدير بالذكر، أن الأمن القانوني أو الاستقرار القانوني لا يستلزم فقط الوضوح والفاعلية، بل إنه يفترض أيضاً تطور المفاهيم القانونية وتفاعلها مع العصر، خاصة وأننا نتعامل في عالم تتزايد فيه العلاقات الاقتصادية بين الدول. ولذا يجب مواكبة التطورات والمفاهيم القانونية اللازمة لمواجهة واحتياجات التعامل.

وفي اعتقادنا الشخصي، نرى أن الأمن القانوني والقضائي يكمن أساسا في تلك الآليات التي قد تسعف في تجنب أو استبعاد خطر عدم الاستقرار وانعكاسات التغيير المفاجئ للقاعدة القانونية، على حماية الفرد، لاسيما متى تعلق الأمر بالحقوق والحريات. وعليه فهو ضمانة وحماية ضد شطط السلطة ومزاجية الأحكام عبر رسم الحدود بين الممنوع والمسموح، بشكل واضح.

النقطة الثانية: تكريس التوقع المشروع

بالإضافة إلى ذلك، فالأمن القانوني والقضائي يكرس فكرة التوقع المشروع أو الثقة المشروعة: بمعنى احترام التوقعات المشروعة للأفراد، والمبنية على القواعد والأنظمة القانونية السارية المفعول، بما يجعلهم يطمئنون إلى نتيجة أعمالهم وتصرفاتهم، مع ما يرتبط بهذا الأمر من استقرار في العلاقات.

وبمقتضى مبدأ الأمن القانوني، يلزم المشرع بعدم مفاجأة أو مباغتة الأفراد أو هدم توقعاتهم المشروعة. وتعتبر فكرة التوقع المشروع من جانب الأفراد من الأفكار الحديثة في القوانين الوضعية، وترتبط هذه الفكرة ارتباطا وثيقا بفكرة الأمن القانوني وتعتبر صورة من صورها. وتعني فكرة التوقع المشروع أو الثقة المشروعة أن القواعد العامة المجردة التي تصدر من السلطة التشريعية في صورة قوانين أو تصدر عن السلطة التنفيذية في صورة لوائح إدارية يجب ألا تصدر بطريقة فجائية مباغتة تصطدم مع التوقعات المشروعة للأفراد والمبنية على أسس موضوعية مستمدة من الأنظمة القائمة على هدى من السياسات الرسمية المعلنة من جانب السلطات العامة والوعود والتأكيدات الصادرة عنها. 

النقطة الثالثة: تجسيد اليقين القانوني وسيادة دولة الحق والقانون

إن ما يصطلح عليه " اليقين القانوني " له ارتباط وثيق بالأمن القانوني والقضائي باعتباره يعتبر أساسيا، لاسيما في مجال الحريات والحقوق، فهو مبدأ في القانون الوطني والدولي ينص على أن القانون يجب أن يمنح الخاضعين له القدرة على تنظيم سلوكهم، ويجد تطبيقاته في مبدأ الابتعاد عن التشريعات الاستثنائية، إلا في حالة الطوارئ المحددة قانونا، وكذلك مبدأ عدم رجعية، بما يضمن عدم تجريم أفعال سابقة لصدور قانون معين.

ومن مظاهر مبدأ الأمن القانوني والقضائي أيضا أنهما يهدفان إلى تحقيق دولة الحق والقانون ليس من الناحية النظرية وإنما من الجانب العملي بالممارسة اليومية التي تقتضي الوضوح في المراكز القانونية للأفراد في معاملاتهم اليومية وضمان حصولهم فيما بين الأفراد يمثل الكثرة الغالبة للعلاقات القانونية، لأن علاقات الأفراد بالسلطة تحتل أهمية بالغة في توفير معنى الأمن أو الاستقرار واحترام القوانين. فالسلطة ليست طرفاً عادياً في العلاقات القانونية، بل إنها الطرف القوي.

فإذا كانت الدولة وأجهزتها تخل باحترام القوانين، وتميز في المعاملات بين الأفراد، وتخرج عن الأحكام، فإنه يصعب أن يسود جو من احترام القانون. فالقانون يجد سنده الأساس في قيام السلطة بفرض احترامه جبراً على الأفراد، ولا تنجح الدولة في ذلك ما لم تكن الدولة هي النموذج الأول لاحترام القانون. ويبدأ الإخلال بالقانون عندما تعمل أجهزة الدولة وسلطاتها إلى التحرر من التزاماتها القانونية. فلا وجود لقانون ما لم تسنده سلطة تنفيذية تفرض احترامه –جبرا عند الضرورة- على الأفراد. ولا سلطة تنفيذية ناجحة تستطيع أن تفرض احترام القانون إذا لم تتقيد هي احترام القانون. وكل تلك لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل دولة القانون، تتحدد فيها بوضوح المراكز القانونية وتحترم الحقوق قولاً وفعلا. 

ومما هو جدير ذكره، أن القضاء يعتبر عنصراً حاسماً في حل المنازعات. ومن هنا فإن فاعلية القضاء هي جزء أساسي من فكرة الأمن القانوني. وعندما نتحدث عن القضاء، فإن ذلك يمتد إلى مساعدي القضاء من المحامين وأجهزة تنفيذ هذه الأحكام. والقضاء بهذا المعنى هو الضمان النهائي لدولة القانون. وقد وجدت بعض الدول النامية أن أهم ميزة لجذب المستثمرين الأجانب والوطنيون هي توفر نظام قضائي يتمتع بمصداقية عالية. 

ولذلك كان على الدوام ولا يزال لمحكمة النقض التي توجد في أعلى هرم التنظيم القضائي ببلادنا دور بالغ في ضمان حسن تطبيق القانون، وتحقيق الأمن القانوني، وتأكيد سيادة القانون من خلال استخلاص معناه الحقيقي وصولاً لاستخدام رقابتها من أجل العمل على توحيد كلمة القانون. وقد ساهمت محكمة النقض عبر قضائها المستنير في تحقيق الاستقرار القانوني، لأن اختلاف المحاكم في تطبيق القانون من شأنه أن يؤدي إلى تعدد معناه واختلاف الناس في تفسيره. وهذا الأمر يؤثر في الأمن القانوني بما يزعزع سيادة القانون ويخل بمبدأ المساواة أمام القانون، ولهذا حرصت محكمة النقض على منع هذا الاختلاف، وتحقيق الاستقرار في تحديد معنى القانون لضمان سلامة تطبيقه.

ومن نافلة القول، الإشارة إلى أن العدل شرط أساسي لتحقيق الأمن القانوني والقضائي والبناء الديمقراطي، فالعدل يعد فكرة ذات معيار أخلاقي تتضمن مبادئ وشروطاً مركبة ومتداخلة فيما بينها، وهو أيضاً بمثابة التجسيد الأمثل لجميع القيم الأخرى، وبذلك يمكننا أن نعرف مفهوم العدل من خلال التصورات النظرية والمواقف الفكرية بأن للعدالة أربعة عناصر أساسية تقوم عليها تتمثل في القوانين والإطارات المؤسساتية والأشخاص المؤهلين وكذلك في المجالات التطبيقية. ولا شك أن الأمن القانوني هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها تلك العناصر الأساسية المكون لفكرة العدل.

المحور الثاني

الأمن القانوني والقضائي: المعوقات وعوامل الانعتاق

الأكيد أن للقانون تأثير كبير على الأمن القضائي، فبقدر ما يكون ناجعا ومتطورا بقدر ما يوفر ثقة كبيرة للمجتمع فيه وللفرد في اللجوء إليه لكي يسترد له حقوقه، وينعكس ذلك على القضاء بصفة مباشرة. وتتجلى نجاعة القضاء في مدى استقلاله وتحديثه، لكن من جهة أخرى نرى بأن اجتهاد القاضي في عمله يعطي صورة للمتقاضي لمعرفة مدى نزاهته وحياده.

ومهما كان القانون متطورا، فإنه يحتاج لقضاء مستقل نظرا لكونه مرتبط بتوفير الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، ومعنى ذلك أن تصدر الأحكام عن سلطة قضائية مستقلة و محايدة و مشكلة بحكم القانون، و بالتالي فهو يعتبر رهانا قويا لتوفير أمن قضائي بجودة عالية للمرتفقين خصوصا أنه كان مطلبا مجتمعيا تم إقراره دستوريا وفي العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية.

ويعتبر هذا المبدأ من النقط الفاصلة والمساهمة في إحساس الفرد والمجتمع بالثقة أثناء اللجوء إليه، لذلك جاء الدستور الجديد ليكرسه بقوة، من خلال الفصل 107 منه[4]. لذلك يعتبر أي تدخل في أعمالها يشكل مساسا باستقلالها وفعلا معاقبا عليه، ومنع القضاة وهم يمارسون مهامهم من تلقي أي أوامر أو تعليمات ومن الخضوع لأي ضغوط كيفما كان شكلها أو مصدرها، وألزمهم بإحالة كل تهديد لاستقلالهم على المجلس الأعلى للسلطة القضائية تحت طائلة المساءلة والعقاب، علما أن إحساس المجتمع بالثقة في المؤسسة القضائية رهين بإصلاحها و إبعادها عن أي تدخل خارجي الذي يمكن أن يضر بحقوق الناس و حرياتهم، و بالتالي فإن ذلك لن يتأتى إلا بإرادة حقيقة وواعية بأن استقلال السلطة القضائية هو من بين الخطوات لبناء دولة الحق و القانون و توفير الأمن القضائي.

ولتجاوز هذه التحديات، نرى أنه ينبغي على الدوام تحديث القانون وفق المتغيرات المجتمعية المتسارعة وكذا بالموازاة مع ذلك العمل على تحصين القضاء وتطويره، فالأمن القانوني والقضائي رهين بجودة النصوص والهيئات التي تعمل على تطبيقها وعلى رأسها القضاء.

وبالرغم من التقدم الهائل المحقق على مستوى التشريع والاجتهاد القضائي، فإن الواقع يكشف بالملموس من خلال مختلف الدراسات والأبحاث أن بعض النصوص القانونية تقف حاجزا أمام تحقيق التنمية المنشودة بسبب جمودها أو قدمها. كما أن اختلاف المحاكم وعدم توحيد اجتهادها له أثر بالغ على الأمن القانوني علاوة على الظواهر الأخرى التي ترتبط بمحيطها والتي تسيء لصورتها كالرشوة والزبونية والسمسرة وغيرها من الظواهر السلبية، مما يجعلها لا ترقى إلى المستوى المطلوب، وبالتالي فذلك يعيق رحى التنمية الاقتصادية و الاجتماعية.

وعليه، فإن الأمن القانوني والقضائي متوقف على سلامة جودة النصوص من حيث الصياغة أولا ثم فعالية العمل القضائي الذي ينصب على تحويل القاعدة القانونية من حالة السكون إلى حركية واقعية.

وإننا نثمن الاتجاه الذي استقر عليه المغرب لتحقيق الأمن القانوني والقضائي، فاليوم باتت بلادنا في حاجة ماسة إلى قوانين تتماشى مع متطلبات التنمية لكسب الرهانات والتغلب على كافة التحديات المطروحة. فالانكباب المتواصل على إدخال مجموعة من التعديلات على القوانين، تتعلق هذه الأخيرة بقانون الشركات و مدونة التجارة ومدونة التأمينات و قانون حرية الأسعار و، مدونة الأسرة، و مدونة الشغل، و المساطر الجنائية و المدنية، و القانون الجنائي و المدني، و غيرها من شأنه خلق إحساس بالطمأنينة لدى المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال الذين يبحثون عن وجهات تتمتع بالاستقرار والتحديث.
كما أن اعتماد مبدأ التخصص في الفصل في القضايا، عن طريق إحداث محاكم إدارية و تجارية ومحاكم استئناف إدارية و تجارية، و أقسام لقضاء الأسرة وقضاء القرب يعتبر إضافة نوعية أبان عن ثماره ودوره الوازن في تحقيق التنمية والأمن القانوني والقضائي.

وهكذا، فقد عمل المشرع المغربي في نزاعات عقود التجارة و الاستثمار، على وضع ترسانة قانونية لفضها سواء على مستوى القضاء المغربي أو اعتماد الوسائل البديلة، ولكن تسوية نزاعات عقود التجارة الدولية والاستثمار الأجنبي في المغرب لا زالت تعرف مجموعة من المعيقات، سواء على مستوى القانون الواجب التطبيق أو على مستوى الاختصاص القضائي .

فالمستثمر الأجنبي يعلل نفوره من تطبيق القانون المغربي ومن الاختصاص القضائي الوطني بضعف الأمن القانوني والقضائي، وعدم الاطمئنان لهما بسبب تفشي ظاهرة الرشوة والبيروقراطية، وانعدام الاحترافية، هذا فضلا عن اختلاف العائلات القانونية ، وهو لذلك وبالنظر لمركزه القوي كمستثمر يفرض شروطه التي غالبا ما ترتكز على اعتبار قانون بلده سواء المسطري أو الموضوعي و الذي يكون هو الواجب التطبيق لأنه يجد في عدالة بلده من الحماية مالا يجدها في غيره .

وفي ظل الأزمة التي خلقتها الروابط العقدية الدولية على مستوى تنازع القوانين و الاختصاص القضائي، اهتدى الفكر البشري إلى حل النزاع خارج مؤسسة القضاء بالاعتماد مثلا على التحكيم أو الوساطة أو التوفيق .

من جهة أخرى، نعتقد أن الارتكاز على نظام المعلوميات ووسائل التواصل التكنولوجية الحديثة وتقنينها والعمل بها من طرف القضاء يساهم في الانفتاح على تسريع وثيرة التنمية وتبادل الخبرات من أجل مواكبة المرحلة و تحديث الآلة القانونية للقاضي لكي يوظفها في عمله، وهذا سيساعد المواطن على تلبية حاجياته بكل طمأنينة.

ومن العراقيل التي وجب التنبيه إليها أن الاجتهاد القضائي يطبق بقوة القانون و بأثر رجعي على جميع ما كان بإمكان الأشخاص القيام به أو الامتناع عنه، بحيث أن قواعد الاجتهاد القضائي الثابتة و المستقرة تمنح الفاعلين مع مرور الوقت رؤية واضحة و إطار لتصرفاتهم، بينما تحولات الاجتهاد القضائي ورجعيته تؤثر سلبا على هذا النظام.

 وهذه الرجعية من شأنها المساس بالأمن القانوني و القضائي و الإضرار بالحقوق المكتسبة ، و الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون و القضاء  مع العلم أن العمل القضائي لا يخلق القاعدة القانونية، و إنما هو مجرد تفسير بريء لها ، و أن تحولاته ماهي إلا فهم جديد لمعنى قائم في النص القانوني وقت إنشائه ، وبالتالي لن يحقق العدالة القانونية .

خاتمة

لا شك في أن مبدأ الأمن القانوني والقضائي أحد أهم الأسس التي يقوم عليها بناء الدولة القانونية من أنه يعني: "ضرورة التزام السلطات العامة بتحقيق قدر من الثبات النسبي للعلاقات القانونية وحد أدنى من الاستقرار للمراكز القانونية المختلفة بهدف إشاعة الأمن والطمأنينة بين أطراف العلاقات القانونية، بحيث يتمكن الأشخاص من التصرف باطمئنان على هدى من القواعد والأنظمة القانونية القائمة وقت قيامها بأعمالها وترتيب أوضاعها على ضوء منها، دون التعرض لمفاجآت أو تصرفات مباغتة صادرة عن السلطات العامة يكون من شأنها زعزعة هذه الطمأنينة أو العصف بهذا الاستقرار واحترام السلطات كافة لحكم القانون وتطبيقه حتى وأن كان يتعارض مع مصالحها. لتضرب مثالاً للأفراد لاحترام القانون وتحقيق فاعلية القضاء باعتبارها جزء أساسي من فكرة الاستقرار والأمن القانوني لكونه عنصراً حاسماً في حل المنازعات، وبما تضمنه محكمة النقض من توحيد كلمة القانون على كافة المحاكم بما يحقق الأمن القانوني.

 

 



[1]يسرى محمد العصار: الحماية الدستورية للأمن القانوني، مجلة الدستورية، القاهرة، يوليو 2003، ص: 51.

[2] ابتسام عبروق: الأمن القانوني والقضائي على ضوء تجربة محكمة النقض، بحث نهاية التمرين الفوج 39 من الملحقين القضائيين، السنة القضائية 2013/2015، ص: 23.

[3] عبد المجيد غميجة: مبدأ الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي، عرض مقدم في إطار الندوة المنظمة من طرف الودادية الحسنية للقضاة بمناسبة المؤتمر الثالث عشر للمجموعة الإفريقية للاتحاد العالمي للقضاة، الدار البيضاء 28 مارس 2008، ص:7.

[4] نص الفصل 107 من دستور 2011 على ما يلي :السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية.

الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية”.


TAG

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *